الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قضايا العالم الإسلامي ومؤتمر مكة

قضايا العالم الإسلامي ومؤتمر مكة

المملكة العربية السعودية التي تقود العالم الإسلامي لأسباب جغرافية وتاريخية كونها الدولة الوحيدة التي تقرن سياساتها بالإسلام والمسلمين اعتادت على أن تكون وجهة إسلامية وموطئاً لحل النزاعات وترتيب القضايا المهمة لدول العالم الإسلامي

مؤتمر مكة الاستثنائي الذي يجمع قادة العالم الإسلامي بدعوة من الملك عبدالله فاجأ الكثير من المراقبين؛ حيث طرحت الأسئلة المهمة فلماذا هذا المؤتمر وبهذا التوقيت تحديدا، ولماذا تبادر السعودية إلى التذكير بالمنظمات الإسلامية الدولية بعدما مرت تلك المنظمات بسنوات عجاف بعد أحداث سبتمبر والربيع العربي..؟

السعودية وعطفاً على مكانتها هي المؤهل الوحيد للدعوة إلى مثل هذا المؤتمر دينيا وسياسيا فقد ساهمت المملكة في معظم المنظمات الإسلامية الدولية التي تعمل في إطار قانوني وتحت إشراف ورعاية الأمم المتحدة ومنظماتها.

العالم العربي وهو جزء مهم وأساسي من منظومة العالم الإسلامي يتجه نحو عملية تغيير كبرى طالت بعض اجزائه بشكل مباشر، وسوف تطال البعض الآخر بشكل غير مباشر ولكن ظاهرة التحول في هذا العالم العربي تشير إلى مرحلة سياسية قادمة وحاسمة يجب أن لا تتم بعيدا عن مشاركة ومساهمة من العمل الإسلامي الذي يمثل البطانة القوية لحماية الشعوب العربية المسلمة من آثار تلك التحولات السلبية على تركيبتها الفكرية وليس السياسية فقط.

العالم الإسلامي بكل دوله عاش خلال السنوات العشرالماضية صدمة فكرية تمثلت في ظهور تنظيم القاعدة التي نفذت عملية سبتمبر عام 2001م وقد ساهمت هذه العملية في تأزيم علاقة العالم بالإسلام عبر عملياتها في شرق الكرة الأرضية وغربها، وقد كان هذا مؤشراً يمكن قراءته من خلال تراجع كبير في الدور السياسي والديني للدول الإسلامية التي تبرأت من تنظيم القاعدة ولكنها لم تقدم حلولاً سياسية صارمة لظاهرة القاعدة عبر حماية الشعوب من آثارها بالحل السياسي وليس الفتوى فقط بتجريم عملها وبالحل الأمني بملاحقتها.

الفكرة القائمة عن منظمات العالم الإسلامي أن قراراتها قلما تجد طريقا مشتركا للتنفيذ ولكن هذه القمة ومبررات انعقادها أكثر أهمية من هذه الأفكار فمسيرة العالم العربي ودول الثورات يجب أن لا تحتمل سوى النجاح ولو كان جزئيا في الملفات المهمة، فالعالم الإسلامي اليوم وخلال هذه القمة في مواجهة ثلاثة ملفات رئيسة في طريق شديد الوعورة.

الملف الأول: أيديولوجي فمع الثورات العربية التي اجتاحت دولا عربية تقدمت نحو الدور السياسي جماعات إسلامية ظلت تعمل بعيدا عن الإطار السياسي الذي تشكلت عليه معظم الدول الإسلامية ومنظماتها، فصعود الجماعات الإسلامية إلى مؤسسات السياسة قضية مهمة خاصة وأن هذه الجماعات والأفكار الجديدة في العمل السياسي الإسلامي لازالت مجهولة في موقفها من النهج السياسي لدول العالم الإسلامي. وإعادة ترتيب فلسفة العمل الإسلامي بالتعاون مع الصاعدين الجدد قد تواجه أزمات التفاوت في تعريف مسيرة العمل الإسلامي ودور الشعوب.

العمل السياسي الإسلامي يواجه أزمة تعريف لمنتجات سياسية جديدة أنتجتها الثورات العربية تمثلت في صعود أحزاب دينية أصبحت شريكا أساسيا في إدارة دفة دول بعينها، لذلك يبرز السؤال المهم عن كيفية تقبل العالم الإسلامي لشريك حزبي جديد بالإضافة إلى أهمية معرفة مساحة الاختلاف في تقدير وتعريف العمل الإسلامي السياسي بين التقليدي والحديث في العمل السياسي الإسلامي، فهل ستغير الثورات العربية من فلسفة العمل الإسلامي لتحمله في اتجاهات جديدة..؟ هذا الملف هو الأهم لأن هناك تحولات سياسية كبرى سوف تجلب فلسفات جديدة في سبيل إدارة العمل الإسلامي دولياً.

الملف الثاني: الطائفية تلك الظاهرة التي تجاوزت أمهات الكتب وكتب التاريخ وعقول العلماء في الطوائف الإسلامية بعدما كانت محصورة هناك يعلمها القليل، ويتعايش معها المجتمع الإسلامي كقضية تاريخية يقل تأثيرها أمام فكرة التعايش الاجتماعي.

لقد تجاوزت تلك الظاهرة موقعها إلى مستويات لم تستثنِ حتى الأطفال والعامة من المشاركة في تأجيج مشاعر الاختلاف بين الطوائف، فخلال العقد الماضي انتشرت الكثير من مظاهر الحرب الطائفية وتم توزيع قصص التاريخ والاختلاف الطائفي والإعلان عنها ودخل العالم الإسلامي في حرب معلنة استخدمت الانترنت وكل وسائل التواصل الاجتماعي لتغليب تاريخ فئة على أخرى.

أزمة الطائفية لم ينبشها من التاريخ سوى حاجات ذات علاقة ببعد سياسي أكثر من كونها بعداً دينياً يهم الجميع فطوائف الإسلام مهما تعددت وخصوصا الطائفتين الأكبر فيها: السنة والشيعة، وهي ليست طارئة على التاريخ ولكنها ظلت عبر التاريخ عصا سياسية تُستخدم ليس من اجل الدين بقدر ما هو من اجل السياسة.. وهذا ما ساهم في ظهور بارز لقضية الاختلاف وانحسار مؤكد لقضايا التوافق..!

التاريخ الإسلامي يخبرنا في كل مرة يتم فيها استخدام الطائفية بشكل سلبي أنه يصحح التاريخ مساره عند نقطة حاسمة، وقد يكون هذا المؤتمر الخطوة الصحيحة لإعادة علاقات الطوائف الإسلامية إلى نهجها الصحيح وإخماد تلك البراكين الفكرية التي أصبحت حديث العالم غير الإسلامي ومادته لمناقشة الفكر الاجتماعي للمسلمين.

العالم الإسلامي وعبر هذا المؤتمر أمام مهمة أخلاقية لشعوبه من اجل احترام الدين والتاريخ الإسلامي الكبير ورمز تاريخ المسلمين، وإيقاف تلك المنافذ التي صعدت بالصراع إلى هذه المستويات الشعبية، ما ينذر بخطر كبير على مستقبل العمل الإسلامي والأجيال القادمة..

ولعل هذا المؤتمر بقيادة السعودية وهي الدولة الأكبر والأهم في العالم الإسلامي يحسم هذه القضية ويحسم الجدل الفكري عبر إيقاف تصدير الخلاف إلى الشعوب وترسيخ ذلك بينهم.

الملف الثالث: مرتبط بالعمل الإسلامي وتصحيح المسار بل إعادته إلى نهجه وخاصة القضية الفلسطينية التي كادت الشعوب العربية والإسلامية أن تنساها ففي هذا الملف يجب أن تكون القضية الفلسطينية هي مركز الاهتمام الإسلامي وليس مركز الاستقطاب من اجل استخدامها كورقة سياسية فقط.

المملكة العربية السعودية التي تقود العالم الإسلامي لأسباب جغرافية وتاريخية كونها الدولة الوحيدة التي تقرن سياساتها بالإسلام والمسلمين اعتادت على أن تكون وجهة إسلامية وموطئاً لحل النزاعات وترتيب القضايا المهمة لدول العالم الإسلامي وهذا المؤتمر قادر على أن يساهم في تحديد اتجاه البوصلة الإسلامية نحو الشعوب التي هي اليوم بحاجة إلى حماية من تلك النزعات السياسية والطائفية والأيديولوجية التي ساهمت في عتمة اكبر وصورة ضبابية اكبر حجبت صورة الإسلام على حقيقته.

———–

نقلاً عن الرياض 

-- د. علي الخشيبان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*