السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لا تَوقُّف للمجازر حتى يكتمل التدمير

لا تَوقُّف للمجازر حتى يكتمل التدمير

كنت أَودُّ أن تكون مقالتي هذا اليوم عن موضوع يشرح الصدر.. موضوع تنتشي أُمَّتنا بعبق ذكرى تاريخ حدوثه في شهر رمضان الكريم، الذي تؤذن شمس رحيله بالغروب. كنت أَودُّ أن تكون المقالة – مثلاً – عن فتح مكة؛ وبخاصة أن مقالتي في

الأسبوع الماضي كانت عن معركة بدر، أو أن تكون عن فتح الأندلس، الذي حدث في هذا الشهر المبارك في عهد الخليفة، الوليد بن عبد الملك، الذي اتَّسعت في ظِلِّ خلافته الفتوحات الإسلامية اتِّساعاً عظيماً؛ شرقاً وغرباً، وتَحقَّقت إصلاحات اجتماعية وعمرانية كبرى، أو عن معركة عين جالوت، التي حدثت في هذا الشهر المبارك، أيضاً، وحَقَّق المسلمون فيها انتصاراً حاسماً على التتار. 

على أنه حال بيني وبين ما وَددَّت تفاقم مصائب أُمَّتنا؛ وبخاصة في سوريا المبتلاة، التي أكنُّ لها كل حب وتقدير، والتي أشاهد – كما يشاهد غيري – ما يُرتكَب فوق ربوعها من جرائم تكاد تكون منقطعة النظير. 

في العقد الماضي وصلت الأوضاع في كثير من أقطار أُمَّتنا إلى درجة من السوء لا تطاق، وتاق الكثيرون – وأنا واحد منهم – إلى رؤية ما عبَّرت عن التطلُّع إليه قبل ثلاثين عاماً بقولي: 

لا تسلني أيها الساري ففي *****عارضي تبدو جراح المعترك 

لا تسلني أين أخطو.. آن لي *****في متاهات السُّرَى أن أسألك 

إن تكن تبصر ومضاً خافقاً *****في جبين الأفق فاحملني معك 

وفي نهاية ذلك العقد نشرت قصيدة في شهر يناير 2010م ختمتها بالقول: 

أَوَ ما في الأفق سنا أملٍ *****بربيع مُخضلٍّ أخضر؟ 

وأباة سيف عزائمهم *****يجلو أدران من استكبر؟ 

سَيفٌ للأُمَّة مسلول *****يستأصل شأنها الأبتر؟ 

وفي شهر يناير من عام 2011م؛ أي بعد عام من نشر تلك القصيدة، قامت الهَبَّة في القطر الذي ركَّزت القصيدة التعبير عن أوضاعه. وكانت تلك الهّبَّة ضمن الهَبَّات، التي سُمِّيت الربيع العربي، والتي قَرَّت العيون عموماً بنتائجها. وكنت قد تَحدَّثت عن الهَبَّة في سوريا بالذات في عِدَّة مقالات. ومما قلته في مقالة نُشِرت في الجزيرة بتاريخ 3-8-1432هـ: 

إن الوضع في سوريا وضع مستحكم العُقَد؛ داخلياً وخارجياً. فعلى المستوى الداخلي هناك تَفرُّد في الحكم على أساس حزبي ينظر إليه بعض الشعب على أنه لم يعد حزبياً فحسب؛ بل أصبح طائفياً أيضاً. وعلى المستوى الخارجي هناك ارتباط لا مناص منه لذلك الحكم بدولة إيران ذات العلاقة غير الوُدِّية مع العرب؛ ماضياً وحاضراً، والتي أصبح لها النفوذ الواضح الجلي في تسيير دَفَّة الأمور في العراق المجاورة لسوريا. وهناك اهتمام لأمريكا بما يجري في سوريا ناتج – بالدرجة الأولى – عن اهتمام الكيان الصهيوني المجاور لسوريا والمحتل لجزء من أراضيها. وكلٌّ من قادة أمريكا المتصهينين وهذا الكيان الصهيوني يَهمُّهما أن يبقى الوضع في المنطقة على ما هو عليه؛ لا سيما أن تهويد فلسطين – بما فيها القدس ومسجدها الأقصى – يسير على قدم وساق. 

كان ذلك ما قلته قبل أكثر من عام من الآن. وما جرى منذ كتابة ذلك القول يُرجِّح صحته. وفي منتصف شهر رمضان من العام الماضي نشرت مقالة في الجزيرة عنوانها: “ويلي عليها وويلي من مصيبتها”. وأشرت في تلك المقالة إلى تاريخ سوريا المجيد ومكانتها في نفسي وفي نفوس الكثيرين من جيلي بالذات، وقلت عن حاضرها: يا لَلألم شِدَّة وطأة وفداحة وجع والمرء يرى البطش الأعمى الفظيع يرتكب فوق ربوع ذلك الوطن دون مراعاة لحق الإنسان وكرامته؛ ذكراً وأنثى، شيخاً وطفلاً، ويشاهد التهديم جنونياً لا تسلم منه حتى بيوت الله. 

ولمحاولة معرفة جذور ما حدث ويحدث الآن فوق ربوع سوريا نشرت في الجزيرة قراءة من ثلاث حلقات أولاهما بتاريخ 8-2-1433هـ لكتاب كتبه نيقولاوس فان دام الهولندي الجنسية بعنوان الصراع على السلطة في سوريا. وقد اعتمد فيه على مصادر أصلية في غاية الأَهمِّية. ومن يَتأمَّل ما كُتِب في ذلك الكتاب العلمي غاية التأمُّل يعرف كيف وصل حكام سوريا الحاليون إلى حكمها، وصعوبة تَخلِّيهم عن ذلك الحكم أو تنحيتهم عنه. 

ومع مرور الأيام ثقيلة الوطأة المدمية للقلوب لمشاهدة ما يُرتكَب من جرائم فظيعة فوق ربوع سوريا المبتلاة نشرت مقالة بعنوان : “أَدجلة الخير أَبكي أم صبا بَرَدى؟”. وقد تَحدَّثت عمَّا صارت إليه أمور العراق المبكية، واختتمت تلك المقالة؛ مُتحدِّثاً عن سوريا، بالقول: “لم يكن يظن أيُّ مخلص لأُمَّته أن يرى ما يُرتكَب في ذلك القطر العربي من فظائع. لقد صمد الشعب السوري أمام المستعمر الفرنسي. وكان رزؤه على أيدي جلاوزة ذلك المستعمر. لكن رزأه الآن على أيدي من هم من أهله؛ وهو رزء يعجز كاتب هذه السطور عن التعبير عن فداحته، فيجد نفسه قائلاً كما قال الشاعر أحمد شوقي من قبله:

ومعذرة اليراعة والقوافي *****جلال الرُّزء عن وَصفٍ يَدقُ 

فَرَّج الله كرب هذه الأُمَّة بعامة وكرب الشعب السوري بخاصة”. 

أعلم أن بكائي وبكاء أمثالي وإن فُهِما لن يفيدا. لكن ما موقف من يُظَن أنه سيفيد؟ في مُقدَّمة من يُظنَّ أنه أهل للقيام بما يفيد الأمين العام للجامعة العربية. وكان أحد أمنائها العامين السابقين؛ وهو الشاذلي القليبي، محترماً في موقفه، ولم يخش فقدان منصبه؛ إذ قال ما كان يراه حقاً، فخلا المنصب منه. فماذا عن الأمين العام الحالي للجامعة؟ لقد كتبت مقالة نُشِرت بتاريخ 21-3-1433هـ بعنوان: “هل يرعى الأمين العام الأمانة؟”. ومما قلته فيها: 

أبرز ما واجهت الأمين العام الجديد الكارثة الحالَّة في سوريا المنكوبة. ومن بداية تعامله مع تلك الكارثة ظهر لي أنه ينطبق عليه المثل النجدي القائل بلهجة شمال نجد: “الليلة الظلما تبيِّن من عشاه”. فبعد أشهر من استمرار المجازر المرتكبة في تلك البلاد المنكوبة ذهب إلى هناك ليعود وفي جعبته مُجرَّد قول: “إن الرئيس السوري وعد بإصلاحات”. وبعد أن تَقرَّر إرسال مراقبين من الدول العربية للاطِّلاع على ما كان مستمراً من ارتكاب المجازر؛ وهو أمر كانت وسائل الإعلام العالمية تعرضه بوضوح، تَمثَّل موقفه في أمرين كلٌّ منهما بعيد كل البعد عن العدل والعقل. الأول أنه اختار لرئاسة المراقبين رجلاً يعلم الكثيرون أن سيرته لا تؤهله لحمل المسؤولية المسندة إليه. وما تَجلَّى من مواقفه تُوضِّح ذلك. والثاني أنه قال: إن مَهمَّة المراقبين ليست معنية بما جرى في سوريا قبل وصولهم إليها. فَبأيِّ وجه يتجاهل ما قام به المرتكبون لتلك المجازر أشهراً عديدة ضد من كانوا مسالمين طوال تلك الأشهر، وبأيِّ حق يتجاهل أن هؤلاء المسالمين لم يلجأ المقتدرون منهم إلى الدفاع عن أنفسهم وأهلهم إلا بعد اليأس من وقوف ارتكاب المجازر أو إيقافها؟ إن أقَّلَّ ما يمكن أن يُسأَل عنه هو : هل موقف الأمين العام الحالي موقف من يرعى الأمانة التي حُمِّل إيَّاها؟ 

وماذا عن موقف إيران؟ إن ارتباط الحكم في إيران بالنظام في سوريا ارتباط اتَّضحت وجوهه في عدة أمور: الأول وقوف النظام السوري إلى جانب الحكم في إيران في الحرب ضد العراق أيام صدام حسين، والثاني أن الحكم في إيران يَعد بقاء النظام في سوريا قضية أساسية له لأن زوال ذلك النظام يضعف النفوذ الإيراني في لبنان، ويُهدِّد استمراره في العراق. والثالث أن ضعف النفوذ الإيراني في لبنان والعراق، أو زواله منهما، نتيجة لزوال النظام في سوريا من المُرجِّح أن يُؤدِّي إلى هَبَّة داخلية في إيران نفسها ضد الحكم القائم هناك، أو يساعد في قيامها. 

وماذا عن موقف أمريكا مُمثِّلة للغرب المنافق؟ 

في الأشهر الأولى من قيام الهَبَّة في سوريا قالت أمريكا : إن الأسد فقد شرعيته، وإنه يجب أن يَتنحَّى عن الحكم. لكن بعد أيام من ذلك قال مُمثِّل الكيان الصهيوني في مؤتمر عُقد في أوروبا: إنه ليست هناك مصلحة لكيانه في زوال النظام السوري. وما دامت لا مصلحة لذلك الكيان في زوال النظام السوري فقد عُرِف من الإدارات الأمريكية المتصهينة المتعاقبة أن القول ما قالت صهيون. لذلك يرى المتابع لمجريات الأمور أن الموقف الأمريكي لم يعد كما كان في بداية الهَبَّة في سوريا من حيث ما يوحي به جدِّية – فيما يبدو – قيادة تركيا بأن تطلق ما أطلقته من تصريحات نارية. 

أما ما سُمِّي بخطة عنان فلم ينتج منها إلا إطالة عمر النظام السوري واستمرار تدمير سوريا لمصلحة المستفيد الأول من ذلك التدمير؛ وهو الكيان الصهيوني. ولقد اتَّضح للجميع مدى انحياز صاحب تلك الخطة إلى النظام السوري؛ وذلك يجعله هو ومؤيِّديه في إيران و روسيا والصين منطلق تَحرُّكاته. وبعد إعلانه هو عن فشل مَهمَّته المولودة ميتة أصلاً رأى المتباطئون في الإقدام على ما يمكن أن يُؤدِّي إلى وقف المجازر والتدمير، أو إيقافهما، أن يُعهَد باستمرار المهزلة إلى من هو لا يَقلُّ سوءاً عن عنان إن لم يزد عليه. 

ما يشاهده العالم كلُّه الآن هو أن التدمير والتقتيل في سوريا يزدادان فظاعة كل يوم. والمُرجَّح جداً أن الكيان الصهيوني لن يرضى تَوقُّفهما، أو إيقافهما، قبل اكتمال تدمير سوريا. ولقد اتَّضح للكثيرين كيف ضاعت فلسطين، أو ضُيِّعت، وكيف ضاعت العراق، أو ضُيِّعت. ومن الواضح للجميع أن سوريا تتبع هذين البلدين في الضياع، أو التضييع، على أيدي المتنفِّذين فيها بالدرجة الأول؛ وأن اكتمال تدميرها؛ إنساناً وعمراناً، هو الأمر الوحيد الذي يرضى عنه الصهاينة. 

————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.عبد الله الصالح العثيمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*