الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » من يدفع الثمن في سيناء؟

من يدفع الثمن في سيناء؟

هل أصبحت سيناء خارج السيطرة المصرية لذا وجب استخدام الجيش المصري بهذه الكثافة والقوة لمطاردة الإرهابيين الذين قتلوا 16 جنديا مصريا من قوات حرس الحدود؟ وهل سيناء جزء معزول من مصر مهدد بالفشل كما حالة أراضي القبائل في باكستان التي تمرح فيها الطائرات الأميركية من دون طيار تطارد أعضاء تنظيم القاعدة وتصطادهم مثل العصافير! أم أنها أشبه بحالة مناطق اليمن الخارجة عن السيطرة كما يوحي الحديث الدائر عنها في واشنطن ولندن وتل أبيب وبعض العواصم؟ وهل الوضع في سيناء هو مشكلة أمنية تخص مصر وحدها أم أنه مشكلة إقليمية ودولية تستدعي إعادة النظر في البروتوكول الأمني والعسكري الخاص بمعاهدة كامب ديفيد مما يتطلب شراكة مصرية إسرائيلية وأميركية وشراكة القوة المتعددة الجنسيات الموجودة في معسكر الجورة جنوب العريش؟ ومن يدفع ثمن ما يحدث في سيناء؟

بداية – وحتى نحرر الحوار ونجعله أكثر دقة – لا بد أن نقول إننا لا نتحدث عن مشكلة في سيناء كلها ولكن في جزء صغير منها في الشريط الساحلي في الشمال الذي تمثل فيه مدن صغيرة مثل العريش ورفح والشيخ زويد وبير العبد بؤر الوجود السكاني القبلي والحضري الذي يمكن أن يكون حاضنة للعمليات الإرهابية أو الجهادية.

أما بقية سيناء تلك المساحة الشاسعة من مصر التي تبلغ مساحتها 60 ألف كيلومتر مربع بنسبة تصل إلى 7 في المائة من مساحة مصر كلها سواء في الجنوب خط راس محمد مرورا بشرم الشيخ ودهب ونويبع حتى طابا فهي مناطق مستقرة.

أما الوسط من سانت كاترين حتى الجورة ونخل والممرات فهي مناطق يصعب حتى على الجماعات الجهادية الوجود فيها لأسباب يطول شرحها.

إذن نحن نتحدث عن مشكلة محدودة في الشريط الشمالي لسيناء ويكثر اللغط حولها وذلك لقربها من حدود فلسطين وإسرائيل وهما طرفا الحديث غير المنقطع مما يساعد على تدويل الأزمة على الرغم من محدودية التهديد.

لم أتعرف على سيناء كدارس لقضايا الأمن الإقليمي من خلال الكتب والتقارير الاستراتيجية ولكن حظي كان متميزا عندما أتيحت لي الظروف ولمدة عام ونصف أن أتعرف على سيناء كما يقولون شبرا شبرا وما تلك بمبالغة. في عام 1982 إلى نهاية عام 1983 كنت وبعد التخرج من الجامعة مجندا في الجيش المصري كضابط احتياط في جهاز خاص تابع للمخابرات الحربية يعرف بجهاز الاتصال والذي كانت مهمته التنسيق بين الجيش المصري والقوة المتعددة الجنسيات الموجودة في الجورة والمناط بها مراقبة المخالفات التي تقوم بها كل من مصر وإسرائيل فيما يخص البروتوكول الأمني والعسكري الخاص بمعاهدة كامب ديفيد. وكان هذا العمل يتطلب أن أكون مع القوة المتعددة الجنسيات ضمن فريق متميز من صغار الضباط نطير معهم في الطائرات الهليكوبتر كل يوم ثلاثاء فوق القطاعات المختلفة من سيناء في مهمة استطلاعية من الجو reconnaissance ثم نتبعها يوم الخميس بمهمة أخرى تسمى verification أو تفتيش على الأرض لمعرفة ما إذا كان عدد القوات أو الأسلحة زاد عن المقرر له في الاتفاقية.

وكنا بالفعل نعد الجنود وكان مقررا لمصر مثلا حسب الاتفاقية أن يكون لها عدد 22 ألف جندي في المنطقة ألف «أ»، وهي المنطقة التي تمتد من راس محمد جنوبا حتى بير العبد شمالا. وكانت المنطقة باء «ب» والتي حدثت فيها الأحداث الأخيرة، والممتدة من سانت كاترين في الوسط حتى العريش كانت بها قوة حرس حدود مصرية وما بعد العريش وراس محمد لا يسمح فيها بالوجود العسكري المصري، فقط مسموح بالأمن المركزي أو الشرطة المدنية.

المهم من هذا العرض هو أنني ولمدة عام ونصف تقريبا طرت مع المراقبين الدوليين بالهليكوبتر فوق كل سيناء وتحركت بالسيارات من أجل التفتيش بشكل أسبوعي في كل سيناء أيضا ولذا أدعي معرفة لصيقة بهذه البقعة من مصر ربما أكثر من المحافظة التي ولدت وتربيت فيها في جنوب مصر.

من كل هذا أقول وبكل ثقة إن ما حدث في شمال سيناء على الرغم من بشاعته لا يمثل تهديدا استراتيجيا لاستقرار سيناء أو تحويلها إلى قطعة فاشلة من الوطن كما يدعي الحوار الدائر في واشنطن وفي تل أبيب وبعض العواصم الأخرى.

تحاول إسرائيل وواشنطن تسويق فكرة أهل سيناء المهمشين الذين لا يحسون بأنهم جزء من الوطن الأم مما يجعلهم عرضة لأن يصبحوا حاضنة للحركات المتطرفة. وأن حركة السلاح في سيناء تجعل من البدو شيئا أشبه بأراضي القبائل المنفلتة في باكستان وأفغانستان. وهذا الحديث بكل أسف يلقى هوى لأن السفيرة الأميركية في القاهرة كل خبرتها هي باكستان وما إن تنطق بكلام في أي أمر استراتيجي إلا ونموذج باكستان ماثل في ذهنها من حيث علاقة الجيش بدولة مدنية يسيطر عليها الإسلاميون (civil – military relations) إلى تهديدات «القاعدة» والجماعات المتطرفة. وبكل أسف أيضا – وقد كتبت في هذا من قبل – أن هذا يلقى هوى لدى المشير طنطاوي الذي خدم في باكستان وأفغانستان كملحق عسكري لمصر هناك، وهذا النموذج الباكستاني يشكل وعيه أيضا.

لكن سيناء ليست مناطق القبائل، فجنوب سيناء في آخر حكم مبارك مثلا كان عاصمة مصر تحدث فيه كل المؤتمرات والمقابلات المهمة التي يصعب تأمينها في القاهرة بما فيها المحادثات المصرية الإسرائيلية في أصعب الظروف، إذ كان الإسرائيليون أنفسهم يفضلون شرم الشيخ على القاهرة. فمسألة أن سيناء بلاد انفلات قول إما ينطلق من عدم معرفة أو أنه يلون الحقائق لأغراض أخرى.

المشكلة في شمال سيناء ليست جماعات جهادية فقط وإنما هو بزنس الأنفاق التي يصل دخلها إلى أكثر من مليار دولار شهريا لعصابات وأسر تتحكم في 1200 نفق بين مصر وغزة يشترك فيه أطراف من فلسطين ومصر وإسرائيل وحتى بعض قيادات الأمن المصري.

فبزنس التهريب هذا كبير وهو نتيجة فساد حكومات في غزة ومصر وإسرائيل خلقت هذا البزنس الذي يدافع عنه أصحابه بالسلاح في شيء أشبه بمنظمات الكارتيل مثل الفارج وجماعات المخدرات في كولومبيا.

لست ممن يعلقون فشلنا في مصر على الشماعة الإسرائيلية ولكن لولا أن إسرائيل خنقت غزة تماما وبرعاية أميركية لما لجأ الفلسطينيون إلى حفر كل هذه الأنفاق تحت الأرض في الوقت الذي يستطيعون فيه دخول مصر من خلال المعابر فوق الأرض.

إسرائيل أنتجت الظروف التي جعلت من الوضع في شمال سيناء على ما هو عليه. لدينا حدود مع إسرائيل في الجنوب في طابا حتى منفذ العوجة شمالا فلماذا لا توجد أنفاق في كل هذا الشريط الطويل. لولا خنق إسرائيل لغزة لكانت أحوال الحدود في الشمال أشبه بالحدود في الجنوب فهل آن الأوان أن يعترف الإسرائيليون بأنهم جزء من مشكلات شمال سيناء؟

قبل الهجوم الأخير كان هناك تنسيق مصري إسرائيلي أميركي لضرب هذه الجماعات في شمال سيناء، وسمحت إسرائيل بأن يستخدم المصريون الطيران فوق منطقتي «ب» و«ج» اللتين تحظر اتفاقية كامب ديفيد الطيران فوقهما وربما هذا الاتفاق والتنسيق المخابراتي هو الذي أدى بطنطاوي إلى الإطاحة بالجنرال موافي رئيس المخابرات الذي ارتآه امتدادا لسياسات عمر سليمان.

بعد الثورة صعب جدا على المشير طنطاوي أن يستأذن الإسرائيليين والأميركان في أن تطير الطائرات المصرية فوق سيناء، ولا أعتقد أن سياسة الاستئذان هذه ستدوم طويلا فالظروف الداخلية تفرض على الجيش المصري اليوم إعادة النظر في البروتوكول الأمني لمعاهدة كامب ديفيد وذلك لأنه اتفاق فيه جزء كبير مهين للسيادة المصرية.

نعم الاتفاقية أيضا تحدد الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة «د» وهي شريط حدودي داخل إسرائيل، لكن المصريين يرون أن الاتفاق في جانبه العسكري كان مجحفا بالنسبة لمصر، وفي تقديري أن هذا الأمر لن يستمر طويلا بعد الثورة.

سيناء تتطلب إطارا أمنيا جديدا يضع في الاعتبار التغيرات الاستراتيجية الإقليمية في المنطقة برمتها وليس مجرد الحديث عن غزة ومشكلة المعابر والأنفاق. الحادث في سيناء ربما يكون شماعة التغيير بالنسبة لحكومة يتنازعها الجيش والإخوان في مصر وقد تكون كامب ديفيد هي التي سترجح أي فريق يفوز بالحكم: الإسلاميون أو الجيش، وسيحدث هذا إما بفرض الواقع على الأرض أو تغيير الصيغة القانونية للمعاهدة من خلال المحادثات.

الخطر الاستراتيجي في سيناء هو خطر على إسرائيل وعلى الإسلاميين في مصر وخارجها أكثر من كونه خطرا على الجيش المصري وقدرته على فرض السيطرة على حدود البلاد الشرقية.

================

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- مأمون أفندي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*