الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » نحو استثمار القوة الضاربة للفضائيات الإسلامية

نحو استثمار القوة الضاربة للفضائيات الإسلامية

أقترح إنشاء مظلة تجمع القنوات الدينية، وأن تتصدى بعض المؤسسات الإسلامية للقيام بهذا الدور، عبر التنسيق بين هذه الفضائيات بمؤتمرات سنوية تعقد، وندوات دورية تقدّم فيها الخبرات كي تفيد منها الفضائيات الناشئة

أتذكر تماماً وقتما انطلقت قناة (اقرأ) الفضائية في عام 1418، وكنت مساعداً إذ ذاك لأستاذي د.عبدالقادر طاش – يرحمه الله – مؤسس تلك القناة؛ أنه كتبت تقارير كثيرة عن انطلاق أول فضائية إسلامية، ولا أنسى اتصال (بي بي سي) الإنجليزية تسأل عن هذه القناة متوجّسة، ومستكنهة توجّهها، وكان أحد أسئلتها: “هل ستكون القناة منبرا للتطرف الإسلامي – بزعمهم وقتذاك – وأتباعه؟” وكان د. طاش – يرحمه الله – يصحّح لهم تلك النظرة، ويخفّف من الفوبيا التي تلبّستهم حينها.

واليوم وبعد مضي خمسة عشر عاماً تقريباً على انطلاق أول فضائية إسلامية – يحسب للشيخ صالح كامل ذلك تاريخياً – لأجد أنّ سماءنا تعجّ بعشرات القنوات الفضائية الإسلامية، بعد أن بات إنشاؤها أمراً يسيراً غير مكلف، فضلا عن استمزاج كثير من ذوي رؤوس الأموال الدخول فيها، وتقديم الدعوة عبرها. هذه الفضائيات تختلف عن بعضها باختلاف توجهات منشئيها، واتباعها المنهج الفقهي الخاص الذي تلتزم به، إضافة إلى تباينها المالي الكبير، بين فضائيات ذوات ميزانية قوية كـ(المجد) و(اقرأ) و(الرسالة)، أو متوسطة كمجموعة قنوات (فور شباب) و(دليل) و(بداية) و(الدانة) وغيرها، وبين ميزانيات لفضائيات بالكاد تغطي إيجار شبكة (عربسات) أو (نايل سايت) وغيرهما التي تبثّ عبرها.

في بداية هذا الشهر الكريم، احتفلت مجموعة قنوات (المجد) بمرور عشر سنوات على انطلاقها، وكثير من التيار الإسلامي يعتبرها القناة الإسلامية الأولى التي تعبّر عن ضمير المحافظين المحلي، بسبب اتباعها المنهج الفقهي السائد في السعودية، من تحريم الموسيقى وعدم ظهور المرأة أو منتمي التيارات والطوائف الأخرى، والحقيقة أنّ (المجد) حققت حضوراً كبيراً منذ بدايتها، وجماهيرية عريضة – أكدتها دراسات مستقلة في أعوام مضت – لا تزال إلى الآن مخلصة لها، وما زالت تتمتع بكونها القناة الإسلامية الأولى لدى فئات المحافظين، وذكرني أحد المساهمين فيها (المهندس فهد المبارك)، بأن لكاتب السطور يدا في إنشائها، إبّان إشرافي على ملحق (الرسالة) في صحيفة (المدينة)، قمت بعمل تحقيق صحفي مع رجال أعمال محافظين وإعلاميين، منهم حمد الغماس وفهد المبارك وخالد القاسم ومالك الأحمد، الذين أصرّوا وقتها على ضرورة توجّه رجال الأعمال ممن يحملون الهمّ الرسالي؛ للاستثمار في مجال الفضائيات الإسلامية، وأن الساحة الإعلامية بحاجة ماسّة لقناة تعبّر عن ضمير المجتمع المحافظ، وكتبوا عن العقبات وهمومهم في تلاقي الأصوات المنادية بذلك المشروع، وبعد نشر ذلك التحقيق، بدأ التفكير الجدّي من لدن ثلة كبيرة، كانت تحمل ذات الهمّ، وتبلورت خلال فترة قصيرة الفكرة، وولدت القناة عملاقة وقوية بفضل عاملين آمنوا بفكرتها، مما يؤكد المقولة الخالدة: أن الأفكار الكبيرة إن وجد لها رجال مخلصون، ومؤمنون بفكرتها؛ يمكن لها أن تتحقق. وهو ما أؤمله في كثير من المشروعات التي نراها اليوم بعيدة المنال، ولكن بقليل من الصبر، وكثير من الدأب يمكن لها أن ترى النور، ولربما موضوع (الدراما الإسلامية) أحد تلك المشروعات التي آن أن تدخل تلك الجيوب المالية المحافظة للاستثمار فيها.

الفضائيات الإسلامية التي تنير في سمائنا العربية ككواكب، باتت اليوم – في مجموعها – قوة إعلامية ضاربة لا يستهان بها، وأثبتت خلال ثورة سورية أثرها وقوتها، إذ كثير من الشعوب العربية والإسلامية تتابع عبرها مشايخهم ودعاتهم النجوم، فهناك قناة مثل (وصال) عبر نجمها الشهير الشيخ عدنان العرعور، الذي يعتبر وحده كتيبة عسكرية كاملة، ومن يتابعه وهو يرفع عزائم الجيش الحر، والمقاومين البواسل في سورية، وحتى الشعب السوري المنكوب؛ ليدرك الدور الكبير الذي يقوم به ضد البعثيين وقاتلي النساء والأطفال الجبناء. هناك قناة (صفا) تتجه بالكلية للتحذير من الصفوية الإيرانية، وتفضح أهدافها، ولها متابعوها بالملايين. 

ما أثار انتباهي، هو تلك الحملات المشتركة التي تقوم بها بعض تلك القنوات دعما لقضية إسلامية أو وطنية، ففي بداية رمضان رأينا تلكم القنوات تصطف مع القنوات السعودية دعما للحملة التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين لدعم إخوتنا في سورية، ومن وحي تلك الحملة تجيء دعوتي هنا إلى إنشاء مظلة تجمع هذه القنوات، وتنسق فيما بينها.

المظلة التي أقترح إنشاءها، يجب أن تكون بعيداً عن المظلة الحكومية الرسمية كوزارة الإعلام مثلاً، إذ الجهة الرسمية – مهما كان تعاملها لطيفا – تنّفر قيادات تلك الفضائيات العاملة، وربما يشعرون بالفوقية والإملاءات التي لا تتقبلها تلك القيادات، ولا نشكّ أبدا في وطنيتهم، بيد أنّ النفوس البشرية تنفر أيّاً كانت – جبّلة وفطرة – من التوجيهات والإملاءات لها، ونحن نعيش هامش حرية إعلامية معقولة.

ما أقترحه هو أن تتصدى مؤسسات إسلامية أهلية للقيام بهذا الدور، كالندوة العالمية للشباب الإسلامي، أو رابطة العالم الإسلامي عبر هيئة الإعلام الكسيحة التي لم تقم على قدميها للأسف، أو أيّ جهات أهلية لها اعتبارها عند الدولة، وتقوم بما يشبه التنسيق بين هذه الفضائيات بمؤتمرات سنوية تعقد، وندوات دورية تقدّم فيها الخبرات كي تفيد منها الفضائيات الناشئة، ويسلط الضوء على تجارب بعضها حيال موضوعات إعلامية متخصصة، والتنسيق في الموضوعات العامة التي نحتاجها، إن كانت موضوعات تحمل النفس الإسلامي بما يحصل لإخوتنا في بورما، أو موضوعات وطنية بما حصل في حرب الحوثيين.

ثمة محاولات مميزة في هذا التنسيق الذي ننشد، فالشيخ المبادر د. سعد البريك نذكر له تجمّع أربعين قناة إسلامية وعربية في نصرة إخوتنا في سورية، وكذلك الحملة على الحوثيين لفك حصار (دماج)، ويبقى أن ثمة قضايا على مستوى الأمة والوطن تحتاج التنسيق بين هذه القنوات عبر هيئة خاصة مشتركة تجمعهم، بدلا من المحاولات الفردية التي يقوم بها بعض الفضلاء للتنسيق.

القنوات الإسلامية اليوم، قوة إعلامية ضاربة نستطيع استثمارها بشكل مؤثر؛ إن أحسنا التوجيه.

—————–

نقلاً عن الوطن أونلاين 

-- عبد العزيز محمد قاسم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*