الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حراك الأكراد وربيع العرب!

حراك الأكراد وربيع العرب!

لم يتوقف الأكراد يوما عن الحلم بإنشاء دولتهم التي أهملتها خرائط سايكس – بيكو. حضروا ولادة الكيانات على جثة الدولة العثمانية من حولهم، ولاحظوا بأسى إعراض تلك الكيانات المستحدثة، كما عواصم الأمبراطوريات على الإعتراف لهم بما إعترفوه لغيرهم. وجد الأكراد أنفسهم محشورين متفرقين على مساحات وأسماء ولدت من رحم التشكل الإقليمي الذي تداعى عن الحرب العالمية الأولى، فباتوا أكرادا في إيران وتركيا والعراق وسوريا لا يسمح لهم أن يكونوا أكرادا في كردستانهم الكبير.

لكن الأكراد عرفوا أن مزاجهم أضحى ضرورة في سياق العلاقات الدولية والإقليمية، فبرعوا في الإستسلام لأنواء البحر الدولي يحملهم إلى مرافئ ويلفظهم على شطآن. استثمرت إسرائيل علاقات مع أكراد العراق للمناورة ما بين العراق وتركيا. واستثمرت واشنطن نفوذا لدى هؤلاء لوضع لبنات اسقاط نظام صدام حسين. واستثمرت سوريا، الرافضة لمنح الجنسية لكثير من أكراد البلاد، الدعم لأكراد تركيا مناكفة لنظام العسكر في أنقرة. واستثمرت إيران الشاه علاقات متقدمة مع أكراد العراق نكاية بأولي الحكم في بغداد صدام.. إلخ

لم تستطع الحركة الكردية في سياق تاريخها الحديث أن تتقدم على طريق الإستقلال المنشود. تم لأكراد العراق في حكم صدام حسين أن حققوا حكما ذاتيا، قبل أن يصبحوا إقليما ما بعد نظام صدام. وكان على أكراد تركيا أن ينتظروا قدوم رجب طيب أردوغان وصحبه كي تعترف أنقرة بـ “المسألة الكردية” قبل التراجع عن ذلك لاحقا. وفيما أكراد إيران يتحاربون مع السلطة في طهران، فإنهم لم يتجاوزوا كونهم جزءا من المشهد الفسيفسائي للقوميات في هذا البلد. بينما كان على الأكراد في سوريا أن ينتظروا الحراك الراهن حتى يمنح الكثير منهم حق المواطنة قبل أن تكبر طوحاتهم إلى ما بعد ذلك.

في زمن الربيع العربي، يفهم الأكراد الحدث على نحو مغاير لما تفهمه شعوب المنطقة. ففيما الشعارات والإهداف المباشرة ترمي إلى اسقاط أنظمة متقادمة واقامة انظمة حديثة، وفيما الشعارات المرفوعة تتحدث عن الحريات ومحاربة الفساد وبناء الديمقراطية، فإن الأكراد يرون في الجلبة مفصل تاريخي، يؤسس لنظام إقليمي جديد، يوفر فرصة تارخية لتحقيق طموحاتهم القومية اعترافا وممارسة وسلوكا.

يسعى الاكراد في المنطقة الى الاقتراب من انجازات اقرانهم في العراق، فبينما الاكراد في العراق يلوحون بالاستقال، ينشط الاكراد في تركيا لاسترجاع مطالبهم القديمة باقامة شكل موسع للحكم الذاتي يقترب من الكونفدرالية، ويعمل الاكراد السوريون على وثائق تشير للمرة الأولى إلى الفيدرالية، بينما يبقى الحراك الكردي في إيران معزولا غير واضح المعالم بسبب اطباق السلطة في طهران على سبل الاعلام والمعلومات في هذا الشأن.

تمثل حالة إقليم كردستان في العراق نموذجا متقدما لما يرومه الأكراد في حراكهم الصاخب والناعم. الإقليم يتصرف كدولة مستقلة تنشر القناصل وتوقع العقود وتبني قواتها المسلحة وتنسجع علاقات دولية على مستوى القمة. ويتعاطى الإقليم مع المسألة الكردية الشاملة في المنطقة تصرف الدولة المتأسس على منطق المصالح. هكذا ترتبط كردستان بعلاقات متينة مع تركيا وإيران تتناقض وتتناكف مع مصالح الأكراد في البلدين.

الأكراد في العراق يؤسسون لمنطق الدولة بانتظار أن تسمح ظروف الكون لإنشاء تلك الدولة. ورئيس الإقليم مسعود بارازاني ما برح يلوّح ويهدد باللجوء إلى خيار الإنفصال في معرض الإبتزاز الدائم لتحسين شروط الشراكة في العراق. وربما انطلاقا من طموحات أكراد العراق وما حققوه حتى الآن، تنتعش الطموحات الكردية في المنطقة بإيقاعات وسرعات متباينة، على نحو قد لا يجعل من الحراك الكردي متكاملا مع الربيع العربي، بل على العكس متناقضا ومعطلا لمفاعيل هذا “الربيع”.

يتحرك الإقليم مع أكراد سوريا في سعي لعقلنة النزعات القومية الإنفصالية الصاعدة. تسلم حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا، القريب من حزب العمال الكردستاني في تركيا، مقاليد الأمور في مجموعة من القرى الكردية المحاذية للحدو مع تركيا. زرعت دمشق بذلك بذور العبور نحو الدولة القومية، على نحو يلائم سيرورة التواصل مع أكراد العراق، ويغري بالتواصل الإيديولوجي، عدا الجغرافي، مع أكراد تركيا. الأمر لا بد يستفز أنقرة ويدفعها للتحرك على مستوى الدولة، بنظامها ومعارضتها وعسكرها لصد “الخطر الكردي” القادم.

كما تصرف الأكراد في العراق منذ ما قبل سقط نظام صدام حسين، يتصرف الأكراد في سوريا حاليا. فالمجلس الوطني الكردي (يضم ثلاثة عشر حزباً كردياً في سوريا) يعتبر نفسه جسمٍا سياسيا مستقلا، معبرا عن الحقوق السياسية للأكراد السوريين في مستقبل سوريا، وبالتالي يتميز عن الجدل السوري العام. وهو بذلك يسعى إلى تضييق حالة الشقاق مع الحزب الكردي السوري (الرديف لحزب العمال الكردستاني في تركيا)، بانتظار حسم الخيارات الكردية القصوى محليا وإقليميا ودوليا.

يمتلك بارازاني وصحبه تميّز التجربة الكردية في شمال العراق، فيسعون لتسويقها بغنج، لخطب ودّ العواصم الكبرى في المنطقة والعالم. والرجل يعمل على جعل أربيل المفتاح المركزي لحل القضية أو القضايا الكردية في المنطقة. يستفيد إقليم كردستان في العراق من إرتفاع منسوب الطموحات الكردية هذه الأيام للإعتراف بهم مرجعا وحيدا يُستند إليه لترتيب البيت الكردي ضمن الإيقاعات التي تُرتَب عموما للمنطقة. ومن خلال هذا الدور المتقدم، تقوى شوكة الأكراد في الداخل العراقي نفسه، على نحو أحالهم الرقم الصعب في كل صغيرة وكبيرة تطال الشأن العراقي.

على أن الحصرية المريحة التي يتمتع بها بارازاني كرافعة أساسية للأكراد في المنطقة، تتناقض بشكل دراماتيكي مع استراتيجيات حزب العمال الكردستاني في تركيا. فالحزب في تركيا فقد توازنه الإقليمي منذ اعتقال زعيمه عبدالله أوجلان عام 1999، ومنذ اتفاق أضنة الأمني بين الجانبين السوري والتركي. والحزب يخوض حربا مع النظام التركي، ويصعد هجماته بشكل لافت مؤخرا. وعلى قاعدة ذلك يبني “العمال” تحالفاته على نقيض النظام في أنقرة، ويراهن على التموضع في معسكر دمشق – إيران ضد خيارات أنقرة وتحالفاتها. الأمر الذي يرخي بظلاله على التناقض داخل الصف الكردي في سوريا من جهة، ويصطدم مع خيارات بارازاني وتحالفاته من جهة ثانية.

ولا ريب أن تناقضا خطيرا يظهر ما بين الخطاب السياسي الكردي وخطاب القوميات الأخرى في المنطقة كالعرب والترك والفرس، فالأكراد يرون انه لا حرية حقيقية لهم دون الاعتراف بحقوقهم القومية، فيما معظم الدول والقوى في المنطقة تنظر إلى المسائل الكردية في إطار ديمقراطي يقضي الاعتراف بهم دستوريا وعبر عملية سياسية وتنموية. هذا التناقض الذي لطالما أبعد الأكراد عن الأنظمة السياسية منذ الإستقلالات، قد يصطدم بالحراك العربي الجاري حاليا، ويجعلهم أدوات عرقلة وتباين لا وسائل اتساق وتكامل مع السياق العام.

المصدر: ميدل ايست

-- محمد قواص

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*