السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الجدل الفكري والحوار المنظم في الحضارة الإسلامية

الجدل الفكري والحوار المنظم في الحضارة الإسلامية

قلنا في المقالات السابقة: إن البداية في كل شيء هي الحوار.. مع التأكيد أن الحوار ليس غاية لذاته.. بل هو وسيلة حكيمة.. من أجل غاية عظيمة وجليلة ألا هي “ التعارف”. والتعارف يوم يقوم بين الناس.. ينشئ مدخلاً كريمًا.. 

وتربة خصبة.. ومناخًا حيويًا لغرس بذور غاية أعظم وأجل ألا وهي “ التفاهم”. 

والتفاهم يوم تتأصل شجرته في النفوس.. وتشمخ فروعها في آفاق حياة الناس.. وتأنس الأرواح في ظلالها الوارفة.. يومئذ تبدأ المجتمعات جني ثمراته.. وإذاك تكون قادرة على بلورة قيم ومبادئ وأخلاقيات ووسائل وضوابط ميثاق بشري راسخ.. يكون منطلقًا صلبًا، وسبيلاً آمنًا لمسيرة بشرية راشدة. 

وعطفا على بحث الأكاديمي المتميز الدكتور محمد الكتاني الذي مازلنا نسرد أهم خلاصاته، فإن الجدل الفكري والحوار المنظم كان قد بدا على يد المتكلمين، سواء في الرد على المذاهب الكلامية المختلفة كالمرجئة والمعتزلة والصفاتية، أو في الرد على أهل العقائد المخالفة كالدهرية، ومنكري النبوات، ثم انتقل هذا الجدل والحوار إلى دوائر الفقهاء وعلماء الأصول، الذين وجدوا أنفسهم، بعد استقرار المذاهب الفقهية على أصولها، كل حسب مذهبه، أمام ضرورة ترسيخ مذاهبهم والدفاع عن مناهجها، ومسالك استنباطها للأحكام الفقهية. 

ويقول الأستاذ عبد المجيد تركي: إن التأليف في أدبيات الحوار اتسم بثلاثة أنواع، وهي الخلافيات، وآداب البحث (أو المناظرة) وفنون الجدل. وإن كانت هذه الأنواع تبدو في نظرنا متداخلة متكاملة. 

وفي هذا الصدد يرجح أن يكون الشيرازي إبراهيم بن علي الفيروزبادي (-476) الفقيه الأصولي هو مبدع هذا النوع، بكتابه (المعونة في الجدل) الذي ذكر في كتابه أنه صنفه عندما رأى الحاجة ماسة إلى من يخوض في هذا الفن من الفقهاء، لمعرفة الأدلة المتعارضة، ومعرفة الاعتراضات التي يطلبون الإجابة عنها. كما أن ابن عقيل الحنبلي (علي بن عقيل البغدادي) هو الذي برز في هذا الفن إلى حدود منتصف القرن الخامس، في حين أننا نجد مصنفين قد برزوا قبله كالفقيه الحنفي عبد الله بن عمر الدبوسي (-430) الذي قيل إنه أول من أسس علم الخلاف بين المذاهب المختلفة بكتابه “تأسيس النظر”. 

أما طاش كبرى زاده (-1030) فيذكر في كتابه مفتاح السعادة أن تصانيف المسلمين في الجدل كانت بين وسائل مختصرة وكتب مطولة أو متوسطة. وقال بأن أول من صنف في علم الجدل هو الفقيه الشافعي أبو بكر محمد بن القفال الشاشي (-365) إمام عصره في الفقه والأصول. وهذا يعني أن “علم الجدل” أصبح منذ القرن الرابع الهجري علما متداولا لدى المتكلمين والمعنيين بالجدل وأن فن المناظرة والجدل أو الحوار العلمي أخذ طريقه نحو التأصيل والتنظير ووضع القواعد والمناهج. 

على أن مناهج الجدل والمناظرة والحوار الفقهي والكلامي استقرت على قواعدها المقررة ابتداء من القرن الخامس الهجري، ثم أصبحت موضوعا للتصنيف من لدن العلماء فيما بعد ذلك. 

ومن أهم الكتب المصنفة في تأصيل مناهج الحوار والجدل وآداب المناظرة في الثقافة الإسلامية نذكر المراجع الآتية: 

1) كتاب المنهاج في ترتيب الحجاج للفقيه الأندلسي الكبير أبي الوليد الباجي (-474). الذي يعد نموذجا للحوار الفقهي الرصين. ولاسيما في باب أقسام السؤال والجواب، في مسألة الاستدلال بالكتاب والسنة. ومن المعلوم أن الفقيه المالكي الكبير كان قد دخل في سجال وحوار عميق مع الفقيه الأندلسي المعاصر له ابن حزم (-456). وقد أنتجت مناظرات الفقيهين الكبيرين كتبا ورسائل في مجال “الجدل الفقهي” تعد رائدة في ميدان ثقافة الحوار الفقهي. 

2) كتاب “تأسيس النظر” للفقيه الحنفي الإمام أبي زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي(-430) الذي قيل عنه إنه أول من أسس علم الخلاف بين المذاهب الفقهية” وطبع عدة مرات. 

3) كتاب “كنز الوصول إلى معرفة الأصول” لأبي الحسن علي بن محمد البزدوي(-482) الفقيه الأصولي الحنفي، الذي ذكره ابن خلدون في المقدمة. 

4) كتاب “المغنى” ذكره طاش كبرى زادة باعتباره من الكتب المختصرة في علم الجدل. 

5) كتاب (الإرشاد في الخلاف والجدل) لركن الدين أبي حامد محمد بن العميدي الحنفي السمرقندي (615) الفقيه الأصولي الذي ذكره ابن خلدون في المقدمة. 

6) كتاب (الفصول في الجدل) لأبي الفضل برهان الدين محمد بن محمد النسفي الحنفي (-687) الفقيه الأصولي الحكيم صاحب الشرح للإرشادات لابن سينا وتلخيص تفسير الرازي وشرح الرسالة القدسية للغزالي. 

7) كتاب “منتهى السؤال والأمل في علمي الأصول والجدل” للإمام جمال الدين بن عمر عثمان بن الحاجب الفقيه المالكي المعروف (-646) ونشرته دار الحجاز بمكة المكرمة بعنوان “منتهى الوصول والأمل”. 

8) كتاب “علم الجذل في علم الجدل” للفقيه الحنبلي الشهير نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي (-716) الذي حققه المستشرق فولفهارت هانيرسيس وأصدره سنة 1987 ضمن المنشورات الإسلامية لجمعية المستشرقين الألمانية التي أسسها المستشرق الألماني هلمون ريتز. 

ولاغرو هنا أن القرآن يخاطب العقول والألباب، وينوه بشأن التفكر والتدبر والفقه. والعقول متفاوتة في المدارك ومناهج النظر. وهذا إذا كان يعني اعتماد العقل في فهم الخطاب الإلهي، فإنه يتطلب أيضا الحذر من أخطاء العقل وكبواته، وتصوره في إدراك الكثير مما هو خارج عن أفقه. 

ولهذا كانت ازدواجية المرجعية للفكر الإسلامي أمرا طبيعيا، لأنه فكر يجمع بين الإيمان بالغيب والتفكر في عالم الشهادة. وقد ظل الفكر الإسلامي يعتمد هذين الأصلين العقل والنقل، في جميع ما أسسه من معارف ونظريات. 

ويمكن أن نقول هنا: إن نشوء المذاهب أكبر دليل على قيام الإسلام على ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف والتعددية الفكرية. ذلك أن أهم ما ينبغي تسجيله في سياق تأصيل مناهج الحوار والمناظرة وآداب البحث في الثقافة الإسلامية هو أن العلماء الذين صنفوا في فنونها انطلقوا من مبدأ طلب الحق في مناظراتهم، والدفاع عما بدا لهم حقا في جدلهم واضعين لهذا الجدل آدابا وشروطا وأهدافا، جعلت من انتهاج الحوار العلمي والعقدي والفقهي صناعة منهجية محكمة القواعد والأصول.

وأختم هنا بما أورده الدكتور مصطفى السباعي في كتابه “من روائع حضارتنا” ونقل عن خلف بن المثنى وصفه للحلقات العلمية الشعبية التي كانت تنعقد في العهد العباسي الذي قال فيه: لقد شهدنا عشرة في البصرة يجتمعون في مجلس لا يعرف مثلهم في الدنيا علماً ونباهة، وهم الخليل بن أحمد صاحب النحو (وهو سني)، والحميري الشاعر (وهو شيعي)، وصالح بن عبد القدوس (وهو زنديق ثنوي). وسفيان بن مجاشع (وهو خارجي صفري)، وبشار بن برد (وهو شعوبي خليع ماجن)، وحماد عجرد (وهو زنديق شعوبي)، وابن رأس الجالوت الشاعر (وهو يهودي) وابن نظير المتكلم (وهو نصراني) وعمر بن المؤيد (وهو مجوسي) وابن سنان الحراني الشاعر (وهو صائبي) كانوا يجتمعون فيتناشدون الأشعار ويتناقلون الأخبار، ويتحدثون في جو من الود لا تكاد تعرف منهم أن بينهم هذا الاختلاف الشديد في دياناتهم ومذاهبهم ! 

ولقد سرى هذا التسامح إلى البيوت والأسر فكان يجتمع في البيت الواحد أربعة إخوة أحدهم سني، والثاني شيعي، والثالث خارجي، والرابع معتزلي، وكانوا يعيشون على أتم وفاق، حتى إنه لقد كان في البيت الواحد التقي والفاجر. هذا ينصرف على عبادته وذلك يستغرق في مجونه، وما تذكره كتب الأدب من هذا السبيل أن أخوين كانا يسكنان داراً واحدة، وكان أحدهما تقياً يسكن في الطابق الأرضي والآخر ماجناً يسكن في الطابق العلوي، فسهر ليلة هذا الماجن وعنده بعض أصحابه يغنون ويطربون ويضجون، مما أزعج التقي ومنعه النوم، فمد رأسه إلى أخيه الماجن وناداه: أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض، فأجابه الماجن على الفور: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم. وعيدكم مبارك سعيد وكل عام وأنتم بخير. 

——————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*