الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أي مستقبل للقرصنة في بحر العرب؟

أي مستقبل للقرصنة في بحر العرب؟

في السادس عشر من تموز/ يوليو 2012، قال المكتب الدولي للملاحة البحرية إن الإجراءات الصارمة التي تعتمدها القوات البحرية لدول مختلفة، واستعانة السفن بحراس مسلحين من القطاع الخاص، قلصت إلى النصف عدد هجمات القراصنة في بحر العرب.

قضية القرصنة في بحر العرب تُمثل مشكلة مستجدة نوعاً ما. ويفرض التعامل معها حسابات من نوع خاص على المقاربة المتعلقة بمستقبل الوجود الأمريكي في الخليج

ولم يشهد النصف الأول من عام 2012 سوى 69 حادثة للقراصنة في هذه المنطقة، مقابل 163 حادثة في الفترة المماثلة من العام 2011.

وكثفت القوات البحرية لمختلف الدول من إجراءات مكافحة القرصنة، ومنها توجيه ضربات لقواعد القراصنة على الساحل الصومالي، كما تستعين شركات الشحن بحراس مسلحين، وبوضع مراقبين في أماكن مرتفعة على متن السفن، وكذلك تزويدها بأسلاك شائكة.

ويضيف البعض أسباباً أخرى لتراجع نشاط القراصنة، منها اهتمام سلطات ولاية بونتلاند شمالي شرقي الصومال بدفع الشباب إلى امتهان حرف مأمونة، تكفل لهم سبلاً للعيش الكريم، بدلاً من الانسياق خلف عصابات القرصنة. ويحظى هذا التحرك بدعم هيئات دولية مختلفة، منها الهيئة النرويجية للإغاثة.

ويقدر البعض عدد الشبان الصوماليين المنخرطين في نشاطات القرصنة بنحو ألفي شاب، فيما تقدرهم مصادر أخرى ب 3500 شاب.

وفي الثالث من آب/ أغسطس 2012، أعلن الرئيس الصومالي، شريف شيخ أحمد، لصحيفة التايمز البريطانية أن القراصنة قد يحصلون على عفو، في حال أطلقوا سراح رهائنهم، وأعادوا السفن التي احتجزوها لأصحابها.

ويحتجز القراصنة قبالة سواحل الصومال حالياً أكثر من 300 رهينة من جنسيات مختلفة. وتشير تقارير غربية إلى أن القراصنة في ممرات الملاحة البحرية بخليج عدن وشمال غرب المحيط الهندي قد حصلوا على 160 مليون دولار في العام 2011، في صورة فدى. كما تسببت أعمالهم بأضرار للاقتصاد العالمي تقدر بنحو نحو سبعة مليارات دولار.

وكان الأميرال مارك فوكس، قائد القوات البحرية بالقيادة المركزية الأميركية، قد صرح في السادس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011 أنه يحقق في احتمال وجود علاقات بين القراصنة وجماعات مسلحة في الصومال. وأشار إلى أن الصلة بين الفريقين ربما تكون تمويلية.

وفي مقابل انخفاضها قرب السواحل الصومالية، زادت عمليات القرصنة البرية في الجانب الآخر لأفريقيا، في خليج غينيا، الذي يُعد مصدراً مهماً للنفط والكاكاو والمعادن.

وقال المكتب الدولي للملاحة البحرية إن 32 حادثاً، منها خمسة حوادث خطف، أبلغ عنها في خليج غينيا خلال الأشهر الستة الأولى من العام 2012، مقابل 25 حادثاً في النصف الأول من عام 2011.

وفي الرابع من آب/ أغسطس 2012، هاجم قراصنة سفينة تستخدمها شركة للخدمات النفطية في المياه، قبالة ساحل جنوب شرق نيجيريا، فقتلوا اثنين من حرس البحرية النيجيريين وخطفوا أربعة أجانب.

ووقع الهجوم على بعد نحو 33 ميلاً بحرياً من ساحل بوني، الميناء الرئيسي لتصدير النفط النيجيري.

وفي السياق ذاته، تثار مشكلات القرصنة البحرية في جنوب شرق آسيا، حيث تتعرض سفن الشحن إلى السطو. وعادة ما يتم تجريدها من حمولتها. وأحياناً يجري استخدام السفينة أو بيعها.

وقال المكتب الدولي للملاحة البحرية إن عدد هجمات القراصنة التي أبلغ عنها على صعيد عالمي تراجع في الستة الأشهر الأولى من العام 2012 إلى 177 حادثاً، مقابل 266 حادثاً في الفترة المماثلة من العام 2011.

على الصعيد الإقليمي، هناك عملية تنفذها الولايات المتحدة في الخليج العربي على مدار العام، بدأت منذ سنة 1987 وتعرف باسم (MARLO). وقد اشتق هذا الاسم من الأحرف الأولى لعبارة (Marine Liaison Officers). وتهدف هذه العملية لحماية ناقلات النفط الماخرة في مياه الخليج ومضيق هرمز. وهي ترتبط مباشرة بقيادة الأسطول الخامس الأمريكي وتموّل من قبلها. وقد توسعت مهام العملية لتشمل تنظيم خطوط سير السفن ومتابعتها، وتأمين سلامتها، ابتداء من شمال الخليج، مروراً بمضيق هرمز وخليج عُمان وبحر العرب، وحتى مضيق باب المندب، وتخوم القرن الأفريقي.

وفي السياق ذاته، تأسس في كانون الثاني/ يناير 2009، ما يُعرف “بفريق العمل المشترك” (CTF 151)، وهو فريق من سفن متعددة الجنسيات، بينها نحو سبع سفن أمريكية، أنشئ بهدف مكافحة القرصنة في بحر العرب.

وكان حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قد قرر في آب/ أغسطس من العام 2009 إرسال سبع من بوارجه الحربية إلى القاطع الجنوبي الغربي من بحر العرب. لضمان الأمن الملاحي. وتتراوح حمولة بوارج الناتو بين أربعة وسبعة أطنان.

وهنا، نجحت الولايات المتحدة، في الدفع باتجاه خلق دور للناتو في واحدة من أكثر المناطق ارتباطاً بأمنها القومي ومصالحها الجيوستراتيجية الكونية. وبخطوته هذه، استجاب الناتو لدعوة أمريكية عمرها 28 عاماً، حيث دعا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق كاسبر واينبرغر، في أيار/ مايو من العام 1981، دول الحلف للمساهمة في “ترتيبات الأمن” في هذه المنطقة.

وقد قرر الحلف، في 29 آذار/ مارس 2012، تمديد عمليته لمدة عامين آخرين، وذلك حتى نهاية العام 2014.

وبموازاة قوة الناتو، جرى منذ الخامس عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2008 الإطلاق الرسمي للقوة العسكرية الأوروبية، المكلفة حماية الملاحة البحرية قبالة سواحل الصومال.

وتقوم هذه القوة بحراسة السفن التجارية، وتنظيم دوريات في بحر العرب وخليج عدن، ومياه المحيط الهندي الأخرى، القريبة من الساحل الصومالي، في منطقة تبلغ مساحتها الإجمالية مليون كيلومتر مربع.

وفي آذار/ مارس 2012، قرر الاتحاد الأوروبي الإيعاز لقوته البحرية، العاملة في بحر العرب، بضرب قواعد القراصنة في البر الصومالي، من خلال المروحيات المحمولة على متن السفن العسكرية.

وتنتشر حالياً أكثر من ثلاثين سفينة دورية عبر خليج عدن وشمال غرب المحيط الهندي، تتبع عددا من المنظمات والدول، بينها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول آسيوية وعربية مختلفة.

وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية تحديداً، فإن قضية القرصنة في بحر العرب تُمثل مشكلة مستجدة نوعاً ما. ويفرض التعامل معها حسابات من نوع خاص على المقاربة المتعلقة بمستقبل الوجود الأمريكي في الخليج.

وفي 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، نسبت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى مسؤولين أمريكيين قولهم إن الولايات المتحدة تخطط لتعزيز وجودها العسكري في الخليج، بعد الانسحاب من العراق. ووفقاً للصحيفة، فإن إعادة الانتشار تتضمن توزيع قوات جديدة، يُمكنها التدخل في حال تدهور الوضع الأمني الإقليمي.

وفي العام 2010، حصلت الولايات المتحدة على 49% من وارداتها النفطية من النصف الغربي للكرة الأرضية، مقابل 18% فقط من الخليج العربي. بيد أن الوجود الأمريكي في الخليج ينهض بمهام ذات صلة بالاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة. ومن هنا، تبدو مركزيته في الحسابات الأمريكية.

وتمر أكثر من 80% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً عبر مضيقي هرمز وملقا في المحيط الهندي. ويتمثل مصدر القلق على مستوى الأمن الملاحي في نقاط الاختناق الست في المحيط، وهي: هرمز وملقا ولومبوك وسوندا.

ويُشكل مضيق ملقا، الذي يقع بين شبه الجزيرة الماليزية وسومطرة، همزة الوصل بين المحيطين الهادي والهندي. ويستقبل سنوياً أكثر من خمسين ألف ناقلة، أي  بمعدل 137 ناقلة يومياً.

ويرتبط المحيط الهندي مع المحيط الهادي من خلال أرخبيل الملايو. وبين استراليا والقارة القطبية الجنوبية. ومع المحيط الأطلسي بفسحة بين أفريقيا والقارة القطبية الجنوبية، وقناة السويس.

وكما عززت وجودها تاريخياً في الخليج، سعت الولايات المتحدة لبناء علاقات وثيقة مع دول جنوب شرق آسيا، وخاصة مع سنغافورة والفلبين وتايلاند.

واتجهت الولايات المتحدة بعد حرب العراق لتعزيز دورها في منطقة آسيا – الباسفيك، ومنحها أولية خاصة. وذلك في ظل إدراك بتنامي النفوذ الصيني في المنطقة، وتزايد التوترات الإقليمية فيها.

ويشير مبدأ “إعادة التوازن الاستراتيجي” (strategic rebalancing)، الذي طرحته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ومستشار الأمن القومي، توماس دونيلون، في منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2011، إلى أن الحرب في العراق قد امتصت وقت وموارد الولايات المتحدة من أجزاء أخرى من العالم، مما سمح للصين بتوسيع نفوذها في أنحاء كثيرة من منطقة المحيط الهادي.

وكان الرئيس باراك أوباما قد أعلن، في مؤتمر صحفي عقده في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2012، أنه وبعد استخلاص تجارب ما بعد حربي العراق وأفغانستان، ونهاية مرحلة طويلة من ضمان الأمن القومي بنشر قوات كبيرة خارج الحدود، أصبح بمقدور الولايات المتحدة المحافظة على أمنها بعدد أقل من القوات التقليدية في أوروبا، والتركيز بدلاً منها على التفوق النوعي في القدرات الاستراتيجية. وأشار أوباما إلى ضرورة حماية حركة التجارة في المياه الدولية، وتعزيز الوجود الأمريكي في آسيا والمحيط الهادي.

وبعد الحرب العالمية الثانية، وضعت أوروبا في قمة أولويات الأمن القومي الأمريكي، على الرغم من مشاركتها في حروب بالوكالة في جميع أنحاء العالم.

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي، انتقل التركيز على منطقة الشرق الأوسط، مدعوماً بغزو الرئيس العراقي السابق صدام حسين للكويت. وشهد العقد التالي تزايد التورط الأمريكي في الشرق الأوسط. وبلغ ذروته اعتباراً من أحداث 11 أيلول/ سبتمبر عام 2001، وحرب العراق عام 2003.

حالياً، بعد الانسحاب من العراق، جري وضع هذا الشرق في مكان أبعد ضمن دائرة الاهتمامات الأمريكية، لمصلحة منطقتي الباسفيك وجنوب شرق آسيا، كما جنوبها – حيث الهند.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة لن تتخلى، في حقبة ما بين الهند والمحيط الهادي، عن التزاماتها تجاه الشرق الأوسط. وسوف تضطر، دون ريب، للتعامل مع أزمات مختلفة في هذا الإقليم، تتجسد واحدة منها اليوم في مشكلة القرصنة التي تهدد حركة الملاحة البحرية، وخاصة في خليج عدن، الذي يدخل ضمن نطاق اهتمام القيادة المركزية (السنتكوم).

—————-

نقلاً عن الرياض

-- عبدالجليل زيد المرهون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*