الخميس , 8 ديسمبر 2016

الأخلاق فن بديع

الأخلاق فَنٌّ، والفنُّ بمعنى الغُصن، ويأتي بمعنى الأسلوب، وهو نوع من الإجادة في الكلام، والإتيان بأحسن طُرُقه، بل هو من أروع الفنون، واستعيرت الفنون للعلوم، ومن أهم هذه العلوم فن الأخلاق. 

كلمة «فن» كلمة رشيقة، لفظةٌ حلوةٌ، تحمل معنى الفتوة، وتحمل مع الغصن الرَّطيب، الغضّ النضير، وتحمل معنى الميَّاس والدماثة، وتحمل معنى الفنون الغنائية، وتحمل معنى السعادة، والشاعريّة والأريحية، الأخلاق تحمل معنى الرقَّة، واللباقة، والحلم، والرضى، وتحمل معنى الهوينا، والابتسامة، واحترام المشاعر، وتحمل معنى السمت والدل، والهيف، والبهاء، والرفق والرحمة. 

الأخلاق الجميلة فنٌّ يتوِّجُ الرجال بالبهاء، كما يتوّج النساء بالبريق والجمال، الأخلاق العالية تجذب أبصار الناظرين، وتستقطب محبة الآخرين، وصاحب الأخلاق الحسنة يأنف من الكذب، والغيبة، والنميمة، وفساد ذات البين، ويتجافى عن الكبر، والعجب، والترفع، والرياء، وجميع الأخلاق الذميمة. 

وصاحب الأخلاق العالية من التجار يتورّع عن الاحتكار، والغلاء، والغلو، ورفع الأسعار، والربا، والاحتيال، والغش، وغيرها من البيوعات لأنها رعونات، تحمل عنوان الجشع، ولا تحمل معنى الخلق، فضلاً عن التفنن في الأخلاق. يرضى بالربح القليل، مع البيع الكثير إن كان صاحب فن في الأخلاق والتجارة، فالتاجر الأمين الرحيم عزَّ وجوده، لذا من تحقق بفن الأخلاق في التجارة، والصدق والأمانة فيها، يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء في الآخرة، ويُبارك الله -عزَّ وجلَّ- في ماله ورزقه. 

الخلق الحسن فنٌّ عمليٌّ يصدح بكل جميل، ومعاملة حسنة في السوق بائعاً ومشترياً، وفي البيت أباً وزوجاً، وفي العمل رئيساً ومرؤوساً، وفي المسجد إماماً ومأموماً.. ومع الناس جميعاً يعطى كلاًّ حقه. 

الخلق الحسن فن يتخلّق به أهل المروءة، سواء جاء به الدين أوْ لا، فما بالك هو أحد شعب الإسلام، وأسسه ودعائمه الكبيرة؟ ولقد جاءت شهادة الله – عزَّ وجلَّ – لنبينه محمد صلى الله عليه وسلم بالخلق الكامل، فقال في محكم تنزيله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} شهادة من خالق البشر لسيد البشر، وثيقةٌ لا يحلم بها بشرٌ، فمن يرغب بهذه الوثيقة فليسابق لينال مثل هذه الشهادة، إنه وسام شرف، توَّج الله به حبيبه محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أراد أن يكون صاحب خلق فليتفنن بالأخلاق العالية، وهذا الفن الرفيع لا يستطيعه إلا من جعل نبيّه نصب عينيه واقتدى بصاحب الخلق الرفيع. 

أقول: الخلق فنٌّ، والأخلاق أفنان وفنون ؛ لأن صاحب الخلق يعطي كلّ ذي حقٍّ حقه. 

قلت: «فن» لأنه يجمع الطبائع الحسنة ببراعة.. أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان أكثر الناس تواضعاً مع كونه عاليَ المكانة، جمع بين خفض الجناح والعلوّ بحكمة بالغة، كان صلى الله عليه وسلم شجاعاً شديداً مع كونه رؤوفاً رحيماً، وكان يخدم في مهنة أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويأكل على الأرض، ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم كأنه واحدٌ منهم، لا يترفع عليهم، وهو من هو عظيم في قومه، نبي للعالمين، يلبس من الثياب ما وجد، لأنه هو يجمل الثياب، يجلس مع الناس إن تكلموا في معنى الآخرة أخذ يحدثهم، وإن تحدثوا في الطعام والشراب تحدَّث معهم رِفقاً وتواضعاً، وكانوا يتناشدون الشعر بين يديه، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، ويضحكون، فيبتسم هو إذا ضحكوا، وهو في سموّه، ورفعة مكانته، كان لا يواجه أحداً بما يكرهه، كان أجود الناس كفًّا، وأوسعَ الناس صَدْراً، وأصدقَ الناسِ لهجةً، وأوفاهم ذمَّة، وألينَهم عريكةً، وأكرمهم عِشْرَةً، من رآه بديهةً هابَه، ومَنْ خالَطَه معرفةً أحبَّه. 

أرأيتم كيف كانت الأخلاق فنًّا رائعاً؟ هذه أخلاق عظيمة يقتدي بها من أراد أن يكون عظيماً. فالحياة مع الفنّ الأخلاقي سعادة، والعيش في ظلال الفنون الأخلاقية رفاهية، والتحلي بهذه الفنون ربيع الحياة، والرياض الوارفة، والخمائل الملتفة، والحدائق الغناء، فالأخلاق فنٌّ، والفن بدائع أينعت ثمارُها، ونبيُّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم في فنون الأخلاق إمام، وفي الفضائل خير قدوة للأنام، وللمصلحين أجلُّ أُسوة إذا احتلك الظَّلام، والسلام. 

alomari1420@yahoo.com 

—————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- سلمان بن محمد العُمري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*