الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حوار المذاهب .. مرتكز للتضامن

حوار المذاهب .. مرتكز للتضامن

لعل هذا المركز بإذن الله يلعب في المستقبل القريب دور الجامع لكلمة المسلمين في مختلف الاقطار اذا احسن اختيار القائمين عليه

عند تتبعنا لحالة الدولة الاسلامية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا لوجدناها قد مرت بثلاث مراحل من التغيير كل مرحلة منها كان لها صبغة سياسية مختلفة عن الأخرى مما يؤكد أن هنالك اثراً عميقا بين الحراك الفقهي والحراك السياسي في مسيرة الدولة الاسلامية حيث بدأت المرحلة الأولى التي يمكن أن نسميها مرحلة التأسيس في فجر الإسلام والتي تنامى البناء التشريعي وفق الأحداث الزمنية لتأسيس الدولة الإسلامية حتى اكتمل ذلك البناء للأمة الإسلامية قبل وفاة نبينا ومشرعنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بفترة وجيزة كما تبين الآية الكريمة في قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا) ولعل ما يميز هذه المرحلة هو درجة الثبات في البناء والتطبيق الذي تم تحت مظلة نبي الأمة ثم تلا ذلك في هذه المرحلة عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم الذين التزموا بحرفية ذلك التشريع ولعل ذلك الثبات هو ما اكسب الدولة الاسلامية قوتها وهيمنتها واتساعها الكبير الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها .

ثم جاءت بعد ذلك مرحلة أخرى نستطيع ان نطلق عليها مرحلة ولادة الصراع السياسي أو التنافر الذي نشأ بعد العهد الراشدي وادى الى الكثير من الحروب بين الفرق والطوائف وفي هذه المرحلة بدأت الخلافات الفقهية تظهر تبعا لتلك الصراعات حيث بدأ البعض يتبنى التشريع كمنطلق للهيمنة السياسية فظهرت المذاهب الفقهية الأربعة التي كانت انعكاساً بيناً لتلك الصراعات ثم تنامت تلك الصراعات وتنامت تبعا لها المذاهب الفقهية حتى بلغت مبلغاً انحرف بالتشريع الى مسارب متباينة في الكثير من المسائل الشرعية.

ثم كانت المرحلة الثالثة التي يعشها عالمنا الإسلامي اليوم والتي تحولت فيها المذاهب الفقهية من عامل كان يلعب دور التأثير في الحراك السياسي الى عامل أساس يتحرك وفقه الحراك السياسي حيث تحولت تلك المذاهب من مؤثرة في الحالة السياسية بدرجات متفاوتة الى مسيّرة بدرجة لافتة للحالة السياسية وهنا اصبحت حالة التشرذم والتفكك أكثر اتساعا واكثر عمقاً مما ترتب عليه الكثير من الصراعات الظاهرة والباطنة التي زاد من اشعال فتيلها الزحف الهائل للإعلام الجديد بالإضافة الى استثمار اعداء الاسلام لذلك كقوة ناخرة لجسد الدولة الإسلامية وقد نجحوا في ذلك بدرجة كبيرة

وفي ظل تلك الحالة المتأزمة من التشرذم والتفكك السياسي والمذهبي التي اصبحت عليها الأمة الاسلامية عُقد في اطهر بقاع الأرض مكة المكرمة وفي اعظم الأيام مؤتمر القمة الاسلامي الاستثنائي الذي جاء بدعوة كريمة من ملك الانسانية عبد الله بن عبد العزيز فكان البلسم الشافي لتلك الجروح العميقة و الذي يرى فيه ابناء الأمة الاسلامية طوق النجاة لإخراج امتهم من هذا المأزق التشرذمي الكبير وكان من ابرز قرارات هذا المؤتمر انشاء مركز للحوار بين المذاهب الاسلامية وهو المقترح الذي تقدم به ملك الانسانية في كلمة الافتتاح .

ولعل هذا المركز بإذن الله يلعب في المستقبل القريب دور الجامع لكلمة المسلمين في مختلف الاقطار اذا احسن اختيار القائمين عليه ادارة وتمثيلاً من الأعضاء المفكرين الوسطيين الذين يسعون الى لملمة الجراح لا نكئها واتخاذهم للآية الكريمة في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) البقرة/143 محوراً للالتقاء ومنطلقاً للحوار ، ومدى تمثيلهم لكافة المذاهب ومدى حرصهم على الحيادية والموضوعية الفقهية ، وعدم الانقياد للعوامل السياسية لكل اقليم ، واتخاذ كتاب الله الكريم وسنة نبيه الشريفة الثابت صحتها مرتكزاً رئيسا لحوارهم ، وإحكام العقل المتدبر الذي حث عليه ديننا الاسلامي في الكثير من الايات الكريمات وعند ذلك فقط نستطيع القول ان أمة الاسلامية قد عادت الى الالتفاف مرة أخرى وعادت الى مركزها العقدي كما كانت في فجر الاسلام والله من وراء القصد .

Msog33@hotmail.com

————-

نقلاً عن المدينة

-- د. محمد سالم الغامدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*