الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حول إستعانة الحركات القومية الكردية بعدو على عدو

حول إستعانة الحركات القومية الكردية بعدو على عدو

من غير المهم أن يضرب الأكراد أعداءهم بعضهم ببعض. المهم أن لا يضرب الأكراد أنفسهم بعضهم ببعض.

في البدء، ترددت كثيرا للخوض في موضوع شائك ربما لم ينظر الى الان، مثل لجوء حركة قومية كردية الى عدو لها ضد عدو أخر لها ايضا، والذي يزخر به (اللجوء) تاريخ الحركات القومية الكردية منذ النصف الثاني من القرن الماضي، عندما لاذ مصطفى البارزاني قائد ثورة أيلول الكردية بشاه إيران لمقاومة الحكومات الجمهورية العراقية والذي اوحى في ظاهر الأمر وللوهلة الأولى بتقاطع مع المباديء الوطنية أو تطبيقا للمبدأ المكيافيلي “الغاية تبرر الوسيلة”، وهو ليس كذلك، وهذا ما سنأتي الى ذكره. مقابل ذلك وفي الفترة عينها وبأعوام قلائل، راحت الحركة القومية الكردية في ايران تتلقى العون من الحكومات العراقية ضد النظام الشاهنشاهي الأيراني وفيما بعد ضد الجمهورية الاسلامية في ايران. واليوم يتلقى حزب العمال الكردستاني (ب ك ك) حسب الاميركان وغيرهم، الدعم من الخصوم الأقليميين للدولة التركية حليفة الولايات المتحدة وضد تركيا، أي من ايران وسوريا بدرجة أولى. وفي الوقت عينه، فأن الحركة القومية الكردية في سوريا اقرب ما تكون الى تركيا، في صراعها مع الحكومة السورية، ما يفيد وكأن ثمة اختلافا بين اهداف الحركتين الكرديتين في شمال وغرب كردستان وقبل ذلك بين الحركتين القوميتين في جنوب وشرق كردستان، وهذا ايضا لا يتنافى مع المباديء الوطنية كما سنرى.

ورغم ان التناقض في الاستعانة أدى الى مصادمات مسلحة احيانا بين الفصائل الكردية، بين الحزبين الديمقراطيين الكردستانيين، العراقي والأيراني، سيما في عقد الستينات والسبعينات من القرن الماضي وبين حزبي السلطة الرئيسيين الديمقراطي والوطني الكردستانيين، ويرد ذلك في رأى الى قلة الخبرة والتجربة الكردية في “لعبة الأمم” أن جاز التعبير ايام ذاك.

ان الأستعانة بالأعداء الأقليميين للحركات الكردية، حالة فرضها واقع الجغرافية السياسية على الحركات القومية الكردية والشعب الكردي من جانب الحكومات الأربع التي تتقاسم كردستان الكبرى فيما بينها: تركيا وايران والعراق وسوريا. ثم ان الخلاف المزمن بين هذه الحكومات محكوم بدوره بدعمها (الحكومات) للحركات القومية الكردية وصولا الى تحقيق اهدافها، اهداف الحكومات تلك. ولما كان الخلاف عميقا ومتجذرا بين هذه الحكومات، فان اسنادها للحركات الكردية ظل قائما ولم يتوقف. وببقاء الخلاف بينها الى يومنا هذا فان الدعم الاقليمي للحركات القومية الكردية بقي ايضا على حاله، خصوصا اذا علمنا وهذا على سبيل المثال، ان مصلحة كل من سوريا وايران وربما العراق ايضا تتطلب دعم حزب العمال الكردستاني، كذلك فأن من مصلحة الكرد العراقيين والسوريين التقرب من تركيا للأدامة بصراعها ضد كل من سوريا وايران والعراق. ولقد شذت الحركة القومية الكردية في ايران عن شقيقاتها الاخريات وكأن لم يعد لها من سند وحاضنة بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 الذي كان بمثابة الداعم الرئيس ان لم أقل الوحيد لها.

قبل سنوات حدثني قيادي كردي سوري كانت تربطه علاقات جيدة بالراحل ياسر عرفات، انه بعد اطلاعه عرفات على اشكال من ظلم حكومة الرئيس حافظ الأسد للكرد السوريين. فما كان من عرفات إلا ان يفتي له بجواز تلقي الكرد السوريين للمساعدات من اسرائيل ومما قاله بالنص: “لوكنت مكانكم وامام كل هذا الظلم البشع الذي تعانونه، لما ترددت من الأتصال باسرائيل وطلب العون منها”.

هذه هي ظروف وطبيعة الحركات والانتفاضات الكردية الصعبة والشاقة معاً، تلقي العون من عدو شقيقك وضد العدو الذي يدعم شقيقك. وقد يرى بعضهم في هذا المشهد حالة نادرة تحدث في الحركات القومية الكردية دون غيرها من الحركات وأحيانا الدول في العالم، لكننا اذا قلبنا صفحات التأريخ القديم والحديث، لوجدناها ليست بشاذة ولا نادرة. فلقد حدثنا التأريخ الحديث، كيف استعان السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان بالجيش الشاهنشاهي الايراني لقمع الثوار الشيوعيين العرب في أقليم ظفار بسلطنة عمان، في وقت ومايزال يعد بعض من العرب ايران عدواً تاريخياً لهم. وفي عام 1972 عاد الشيخ مجيب الرحمن الى بلاده بنغلاديش المسلمة على ظهر الدبابات والمدرعات الهندية ليحررها من احتلال دول باكستان المسلمة، ويريناً تاريخ العرب القديم، ان سيف بن ذي يزن استقدم الجيش الفارسي الى إمارته لأجل حمايتها من القبائل العربية المغيرة عليها. واثناء ثورة اكتوبر في روسيا عام 1917 كان لينين قد استعان بالعدو القومي الألماني لبلده روسيا، والعدو الطبقي لحزبه الشيوعي وضد الحكومة الروسية.

هذا على سبيل المثال، وفي ضوئه نفهم صحة وجواز لجوء الحركات القومية الكردية الى أعدائها التقليديين لغرض مقاتلة العدو الذي حملت السلاح بوجهه. ولولا الاستعانة بايران، لما تمكنت الحركة القومية الكردية في العراق من ارغام حكومات: البعث عام 1963 وعارف عام 1964 وفيما بعد حكومة عارف – البزاز، ومن بعدها حكومة البكر عام 1970 على التفاوض وفرض الهدنة عليها واحياناً أنتزاع حقوق واسعة منها، كحق الحكم الذاتي لكردستان العراق في أذار عام 1970.

صحيح ان التعاون وتلقي الدعم من الحكومات المضطهدة للكرد من جانب الحركات القومية الكردية، كان بمثابة ابغض الحلال اليها ومحل شك وقلق لها، غير أنه مع ذلك لم يكن من بد منه، مع أن نجاح الثورة أية ثورة غير مضمون أيضاً، وهذا ما حصل عام 1975 عندما انهارت الثورة الكردية 1961-1975 جراء توقيع اتفاقية الجزائر بين شاه ايران وصدام حسين، بيد ان الوقائع اثبتت فيما بعد، ان الخلاف العراقي الايراني لم يكن مختزلا او محصوراً في صراع الدولتين على شط العرب ومساحات من الاراضي، بل كان اعمق من ذلك بكثير. بدليل قيام فصائل كردية بعد بنحو الشهرين من انهيار تلك الثورة، بالثورة على الحكومة العراقية ومن تلك الفصائل تشكل الاتحاد الوطني الكردستاني وبعد عام علي ذلك التطور اعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني رسميا في 26-5-1976 ثورته المسماة بـ”كولان” وعلى الحكومة نفسها. كل هذا من غير ان يعترض شاه أيراني على ثورتي الحزبين “الجديدة” و”كولان”. جدير ذكره انه في الفترة بين انهيار الثورة واندلاعها من جديد فان مجموعات مسلحة كانت محسوبة على الديمقراطي الكردستاني لم تلقِ سلاحها بل ظلت تقاوم. كالمجموعة التي قادها محمود الايزدي في محافظة دهوك ومنطفة بادينان واخرى بقياده سليمان بيريزي في محافظة اربيل..الخ. وعلى قدر علمي ان هذه المجموعات كانت على اتصال بالحزب الديمقراطي الكردستاني في تلك الفترة.

ان تكرارالاستعانة بعدو قومي ضد عدو قومي اخر اسقط توجيه تهمة الخيانة من جانب الحركات القومية الكردية الى بعضها بعضاَ. ناهيكم من ان تحالف الحركتين القوميتين الكرديتين، الكردستانية الشمالية (كردستان تركيا) بقيادة (ب ك ك) وفرعه في سوريا، والكردستانية الغربية (كردستان سوريا) موخراَ في المجلس الوطني الكردي السوري اثبت صواب وجواز الاستفادة من دعم عدو للكرد لاضعاف والحاق الهزيمة بعدو اخر. ولاشك ان أي نصر يترتب على هكذا استعانة هو نصر للحركة الكردية المتلقية للعون من اتجاه معا كس او من عدو حركة الشقيق. والخطأ كل الخطأ ان تأتي الاستعانات مشروطة بتوجيه فوهات بنادق الحركات نحو بعضها بعضا، او عدم مراعاة كل حركة قومية وعلى حدة لظروف الحركة القومية الا خرى. ان تحالف فرع (ب ك ك) والاحزاب الكردية الاخرى في سوريا يجعل من تفادي الصدام ممكناَ بين الحركات القومية الكردية وعلى ان يكون الكفاح موجهاَ لكل حركة قومية كردية ضد عدوها.

——————-

AL_botani2008@yahoo.com

—————–

ميدل ايست أونلاين

*رئيس تحرير صحيفة راية الموصل – العراق

-- *عبدالغني علي يحيى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*