الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » على الجماعة الحاكمة في مصر أن تدين الإرهاب في سيناء

على الجماعة الحاكمة في مصر أن تدين الإرهاب في سيناء

ربما لن يمضي وقت طويل قبل أن يكتشف المصريون أن الحرب المشتعلة الآن في سيناء هي الأكثر عنفا وشراسة من بين كل الحروب التي خاضوها في النصف قرن الأخير من قبل على كثرتها وتنوعها. 

وحتى الآن بعد مرور أسبوعين على اشتعالها إلا أنه باستقراء عناوين الصحف وبرامج الحوار التلفزيونية، نستطيع أن نكتشف بسهولة أن أحدا في مجال الثقافة والإعلام لم يتبين بعد أبعادها وخطورتها على حياة الناس في الوادي وأنها مختلفة تماما عما ألفوه من قبل في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي من معارك بين رجال الأمن والجماعات الجهادية المسلحة تنتهي عادة بالقبض على عدد منهم وتقديمهم إلى المحاكمة أو اعتقالهم إداريا مع سقوط عدد من القتلى من الجانبين في معارك متباعدة وإن كانت كشوف الحسابات الختامية لها بلغت نحو الألف من رجال الشرطة وعدة مئات من المدنيين. غير أن المعركة في كل الأحوال كانت محسومة لصالح الدولة. 

أما الآن فنحن في مواجهة حرب حقيقية في ميدان تعاملنا معه دائما بوصفه ميدانا بعيدا عن أعيننا (البعيد عن العين، بعيد عن القلب، مثل شعبي) أي غير مؤثر على حياتنا اليومية. 

وهذا ما يفسر أن العناوين الرئيسية في صحافتنا ما زالت غارقة في اللف والدوران داخل متاعبنا التي اخترعناها وما زلنا نخترعها كل يوم، للحقيقة كانت جريدة «الوفد» المصرية (الثلاثاء 14 أغسطس/ آب 2012) هي الوحيدة التي كان عنوانها الرئيسي هو ما يحدث في سيناء «استمرار تمشيط سيناء على الرغم من (تفكيك العسكري)» والجملة الأخيرة تشير إلى ما حدث من إقالات وتغييرات في قيادات الجيش المصري، ولأننا في زمن الدهشة من الفكرة الصحيحة والفعل الصحيح لذلك تساءلت لماذا كان رئيس تحريرها محمد مصطفى شردي، هو الوحيد بين أقرانه الذي أعطى لسيناء الأهمية القصوى، وانتهيت إلى أن السبب هو أنه مواطن بورسعيدي، وهو ما يشعره أن ما يحدث عادة في سيناء سيكون له تأثيره المباشر عليه كمواطن من سكان الوادي.

حدثتك الأسبوع الماضي عن السبب في أننا لم نهتم بتنمية سيناء لعدم اعترافنا بالسلام، فالسلام عندنا مرتبط بالمفهوم القديم للحرب، ابتداء من إنسان الكهف حتى بداية العصور الوسطى، وهو إزالة العدو. وبما أنه لم تتم حتى الآن عملية إزالة العدو لذلك علينا أن نترك سيناء أرضا خربة لكي نستخدمها يوما ما في إزالة العدو وبعدها ننعم بالسلام. واليوم أقول لك آخر دروس التاريخ في منطقتنا، عدم العناية بتنمية البشر وعقولهم وأرواحهم، يحولهم في نهاية الأمر إلى قتلة، وعدم العناية بتنمية الأرض يحولها إلى ميدان لتدريبهم على القتل. هكذا تحولت سيناء إلى خطر ليس على الوادي وحده بل على أماكن كثيرة في المنطقة وهو بالضبط ما يريده المخطط لهذه الحرب، أن تشتعل المنطقة كلها بالنيران. ليس لدي أي أدلة تشير بوضوح إلى اسم المخطط ولكن لدي قرائن كثيرة تشير إلى وجوده، ولدي ألف دليل على وحشيته وثرائه وجنونه. 

من على الأرض قادر على إمدادك بالصواريخ والمدافع المضادة للطائرات والمدرعات والألغام الأرضية؟

من على الأرض قادر على التخطيط لنقل هذا العتاد الثقيل المتنوع وتهريبه عبر آلاف الأميال بين أقطار ودول عدة لكي يصل في النهاية إلى سيناء؟ من هو ذلك الشخص الغني أو الجماعة الغنية أو الجهاز الغني القادر على إعاشة وإعالة آلاف البشر (ستثبت لك الأيام أنهم آلاف بالفعل) ثم إعادة تأهيلهم لكي يتحولوا إلى قتلة.

إن وعي وتأييد الجبهة الداخلية لقواتها المسلحة وتوعية الناس بما تخوضه من معارك أمر ضروري للغاية، وحرمان قواتنا المسلحة من تأييد أهل سيناء، هدف واضح للمجموعة الإرهابية المقاتلة أو القاتلة بمعنى أدق، لذلك ستقرأ عن مقتل الشيخ خلف المنيعي من كبار قبيلة السواركة لأنه أعلن بلا تحفظ تأييده لما يقوم به الجيش المصري، نصبوا له كمينا وأطلقوا عليه الرصاص فقتلوه هو وابنه. 

نحن هنا أمام مشهد يمكن قراءته بسهولة، هذا ليس حادث قتل من النوع الذي نقرأه في صفحة الحوادث، بل نقرأ فيه أن الشخص الذي خطط للعمليات يريد أن يضمن حرية جماعته في الحركة على أرض العمليات لكي تحقق أهدافها بشكل آمن، وذلك بأن يرهب أهالي سيناء جميعا ويدفعهم لعدم التعاون مع القوات المسلحة المصرية. 

وهذه الجماعات بقتلها لهذا الشيخ الشجاع عند عودته من أحد الاجتماعات أثبتت أنها لا تفتقر إلى المعلومات اللازمة لممارسة نشاطها الإجرامي.

إن سقوط صاروخين على إيلات أطلقا من سيناء كما حدث منذ يومين، بالإضافة لأي أحداث أخرى حدثت أو ستحدث، لن تفلح في جر الطرفين المصري والإسرائيلي إلى الصدام العسكري وهو ما كان يهدف إليه في الأصل المخطط لهذه العمليات، كان هذا واضحا من سرقة المدرعة من الموقع المصري عند رفح ثم الإسراع بها لعبور الحدود الإسرائيلية.

إنني أطلب من مفكري الجماعة والحزب الحاكم في مصر أن يكونوا واضحين بشأن هذه الحرب، وأتوقع منهم أن يعلنوا تأييدهم بغير تحفظ لما تقوم به القوات المسلحة من عمليات وأن يدينوا بأقوى الكلمات حادث اغتيال الشيخ المنيعي، لا بد أن تصل هذه الرسالة بكل وضوح لقيادات الإرهابيين. إن وقوف جماعة الإخوان المسلمين في مصر ضد الإرهاب والإرهابيين بشكل واضح ومعلن سيكون له أعظم التأثير في تقصير أمد هذه الحرب وتقليل خسائرها. 

إن كل الحروب السابقة على أرض سيناء كانت قصيرة على الرغم من فداحة خسائرها، فقد كانت تحدث بين جيوش محترفة كما في عدوان 1956 الثلاثي، أو بين جيشين محترفين هما المصري والإسرائيلي، وفي كل الحالات كان الطرفان يلتزمان بقرار وقف إطلاق النار وبلحظة سريانه، أما هذه الحرب فالعالم بتنظيماته الدولية لا شأن له بها، لن يصدر قرارا بإيقافها، هذه حربنا نحن، نحن من أخطأ ونحن من يدفع الثمن ويجب ألا يكون هذا الثمن باهظا إلى الدرجة التي تعطل مسيرتنا.

وليكن واضحا للجميع أن الإرهاب له اسم واحد هو الإرهاب وليس «المسلحون المجهولون» كما نقرأ في جرائدنا. نحن لا نصف أشخاصا مسلحين يقطعون الطريق على ركاب سيارة بحثا عن صيد ثمين، بل نتكلم عن جماعة من البشر اختاروا قتل الناس بطريقة غادرة ولا إنسانية كخيار أول لتحقيق أهداف سياسية عجزت حتى الآن عن فهمها. 

لقد كان من السهل عليهم أسر وخطف كل أفراد موقع رفح، وكانوا بذلك يستطيعون تحقيق هدف سياسي ودعائي كبير، غير أنهم وجدوا أن قتلهم يحقق متعتهم الوحيدة وهي القتل.

——————

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- علي سالم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*