الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » فتوى قتل المتظاهرين الأزهرية !

فتوى قتل المتظاهرين الأزهرية !

تزداد سخرية الأمم يوما بعد يوم مما تفرزه العقلية العربية من “ابتكارات” فقهية تهم الحياة العامة كما الفردية . وإن كان من إيجابية لهذه الابتكارات فكونها تعكس حيوية العقل العربي الفقهي في مجال الإنتاج والابتكار والغنى ،إلا أنه إنتاج بئيس ومخجل ، بل مثير للسخرية والشفقة لأنه يُظهر أن الذهنية العربية منمطة ومحنطة ولازالت تتغذى على فقه عصور الانحطاط وتفكر من داخله وتجتر فتاواه . 

فالعقل الفقهي لا يجرؤ على الخوض في السياسة والحكم ، وإذا ما قدّر له الاقتراب منهما فإنه لا ينتج إلا الطامة التي تمحق الإنسان والأوطان . وتلك كانت واحدة من آخر “الابتكارات” التي جاد بها أحد شيوخ الأزهر في موضوع الاحتجاج ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين من خلال الرئيس المصري محمود مرسي الذي بات ينفرد بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في غياب دستور يحدد صلاحياته ويضبط العلاقة بين مؤسسات الدولة وينص على استقلال سلطاتها . 

واعتبارا لهذه الوضعية الشاذة التي تعرفها مصر ما بعد الثورة،ساد شعور بالقلق والخوف لدى أوساط واسعة من الأحزاب والمنظمات الأهلية من أن تصير مصر رهينة لدكتاتورية جديدة أشد وأخطر من دكتاتورية نظام مبارك . 

وقررت هذه الأوساط التعبير عن قلقها بتنظيم مسيرة مليونية يوم الجمعة 24 غشت 2012 . ذلك أن المصريين  أدركوا أهمية التظاهر والاحتجاج في الأماكن العامة لحسم الصراع السياسي حول السلطة والضغط على أصحاب القرار إما بالتنحي أو التراجع والإذعان لمطالب المتظاهرين . 

لهذا حافظوا على “السلطة الشعبية” التي باتت تمتلكها الميادين العامة وعلى رأسها ميدان التحرير ، في مقابل السلطات الأخرى (سلطة المجلس العسكري ، سلطة الرئاسة ) . 

إذ لا بديل أمام الشعب ، لإنجاح ثورته، غير التمسك بخيار الاحتجاج السلمي والتظاهر المدني . وكان أجدر بالرئاسة المصرية التي حملتها الاحتجاجات إياها إلى سدة الحكم أن تحمي المحتجين وتضمن سلامتهم النفسية والبدنية من كل ترهيب أو اعتداء ؛ بل كان من واجبها أن توفر كل الضمانات المادية والأدبية والأمنية للحفاظ على جذوة التظاهر كخيار مدني/سلمي تستعين به الرئاسة والحكومة في إحداث التغيير المطلوب لصالح الشعب المصري بما يتوافق ومطالبه والشعارات التي رفع المحتجون . 

خلافا لهذا “الما ينبغي فعله” ، خرج  شيخ أزهري يدعى هاشم إسلام بفتوى يهدر فيها دماء المشاركين في المظاهرات التي ستنظم بتاريخ 24 أغسطس/ آب الجاري في ميدان المنصة في ضاحية مدينة نصر في القاهرة؛ حيث اعتبر  المشاركين فيها خارجين عن الدين،مما “يستوجب قتالهم وقتلهم”. وقال الشيخ إسلام أثناء مشاركته في ندوة  بمقر النادي الدبلوماسي في القاهرة ” إن المشاركين فى مظاهرات 24 أغسطس، خارجون على ثورة 25 يناير” .

 بل وصف الدعوة بأنها “ثورة خوارج، وردة على الديمقراطية والحرية” ليتهم من سيشارك في المظاهرات بـ”الخيانة العظمى لله والوطن وارتكاب جريمة الحرابة الكبرى”. 

ولم يكتف بهذا الاتهام ، بل حرض المصريين على الخروج وقتال المشاركين في تلك المظاهرات، وقال “يا شعب مصر، قاوموا هؤلاء فإن قاتلوكم فقاتلوهم، يا شعب مصر، قاوموا هؤلاء فإن قتلوا بعضكم فبعضكم في الجنة، فإن قتلتموهم فلا دية لهم ودمهم هدر”. 

وهذا تحريض مباشر وخطير على الفتنة والاحتراب الداخلي يصدر عن شيخ أزهري يفترض فيه الورع واتقاء الله في شعب مصر وأمنها . وكان الأجدر بالنيابة العامة أن تحقق مع هذا الشيخ وتتابعه بتهمة التحريض على القتل مثلما فعلت مع الإعلامي توفيق عكاشة الذي أحالته على محكمة الجنايات بتهم تتعلق بإهانة رئيس الجمهورية، وسب وقذف قيادات في حزب الحرية والعدالة . 

ولا شك أن سكوت الرئاسة عن فتوى شيخ الأزهر وتحريضه على الفتنة والقتل هو تواطؤ يسيء إلى الرئيس مرسي ، خصوصا وأن هذا الأخير قرر إغلاق قناة “الفراعين” لمدة 45 يوماً ومقاضاة مالكها عكاشة . 

ولم تخرج مصر بعدُ من حرب الفتاوى المحرضة على القتل ، ذلك أن فتوى الشيخ إسلام مماثلة لفتوى الشيخ محمود عامر الذي أهدر دم البرادعي على خلفية دعوته المصريين إلى التظاهر والعصيان المدني ضد مبارك لإسقاط نظامه . 

وهذا النوع من الفتاوى يكرس الاستبداد ويقضي على تطلع الشعب المصري إلى بناء دولة ديمقراطية تضمن الحقوق السياسية والحريات العامة والفردية لكل المواطنين أيا كانت مواقفهم مناهضة أو مؤيدة للرئيس . فالدولة الديمقراطية تقوم على نظام سياسي تعاقدي بين أفراد المجتمع تربطهم جملة من المصالح المشتركة .

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*