الجمعة , 9 ديسمبر 2016

لا.. لثقافة الإقصاء..!

عندما دعا خادم الحرمين الشريفين -الملك- عبدالله بن عبدالعزيز – قبل أيام- شعبه، “بالحرص على وحدة الوطن، والابتعاد عن التصنيفات المذهبية، والفكرية، والمناطقية، وعن استخدام لغة التصنيف، والإقصاء، التي لا تليق بمجتمع نشأ على تعاليم، وقيم الإسلام السمحة”. فهي دعوة على احترام العقل البشري، وممارسته، ومحاورته بالتي هي أحسن، كونها قيمة إنسانية عظمى.. وعكس ذلك، اضمحلال في المبادئ، وهشاشة في الفكر. 

نظن عبثاً أن ثقافة الإقصاء وسيلة للأمن الفكري، والاستقرار الاجتماعي، تحت حجج واهية، وذرائع غير منطقية، والمرتبطة بمثل هذا النهج العقيم، -باعتبار- أنه معيار الصواب الوحيد، والمرجع المثالي للقياس، والمقارنة.. وصورة ذلك، تتمثل في حالة الخلاف غير الصحيّة مع الآخر، ستنتهي بالتأكيد إلى نفي طرف من أطراف المعادلة الاجتماعية.. فهي ثقافة من سماتها: سرعة الغضب، واتهام الآخرين في نياتهم، ورفض أي حق جاء به الآخر. 

إن التعجل في إصدار أحكام قطعية، سيجرنا إلى ما لا يحمد عقباه من صراع بين مكونات المجتمع.. وقد يولّد احتقانا في مشاهد تراجيدية للفهم الخاطئ، والهجوم المباغت تجاه الآخر.. فالإقصاء تعبير عن ضعف الثقة بالذات، أكثر من أي شيء آخر.. وهو قرين العزلة، ويعد الخطوة الأولى نحو التطرف الذي قد يتحول إلى سلوك عملي، ينتهي به إلى التصفية الجسدية، والتدمير، -خصوصاً- عندما تختزل الهوية في كونها مجرد النقيض للآخر الذي يهددها، أو يستطيع عزل الآخرين؛ ليبقى له تاريخ. 

الحوار حول ما تختلف عليه، أمر لا مفرّ منه، إن كنا صادقين مع أنفسنا، ومجتمعنا.. فجمع الكلمة، وتعزيز الوطنية، ونبذ الاصطفاف بكل صوره -الدينية والسياسية والاجتماعية-، حق مشروع؛ لمجابهة الفكر بالفكر، والحوار بالحوار؛ وحتى لا تضيع البوصلة في معترك التوصيفات، أو تضيع معها الحقائق التي ينشدها المجتمع.. فالاختلاف سنة الله في خلقه، وليس المطلوب محاربتها، بل تعزيزها؛ لتستمر في طريقها الإيجابي. 

سنبقى متفائلين بأن العقل، والتسامح، هما من سينتصران في نهاية المطاف، وسنبقى نعمل للحياة؛ لتتولد رؤية مقاومة ثقافة الإقصاء من خيالاتنا المجتمعية.. وسنهدي مقولة -خادم الحرمين الشريفين- إلى من يتدثر بسياسة فرعون: “ما أريكم إلا ما أرى”، التي لا تؤمن إلا برؤاها الأحادية الإقصائية، أو وضع القضية في أمرين لا ثالث لهما، إما معي، وإما ضدي، أو في ثنائية وجودية بلا ظلال، أو أي بعد ثالث لا يقبل المناقشة، مع أن النهايات لم تكن إيجابية، كونها لقيت مصيراً سيئاً، فقدت من خلاله المكانة اللائقة بها، والقدرة على التحكم. 

المصدر: الجزيرة

-- د.سعد بن عبدالقادر القويعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*