الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في خطاب ملك المغرب بمناسبة الثورة

قراءة في خطاب ملك المغرب بمناسبة الثورة

وجه الملك محمد السادس خطابا إلى الشعب المغربي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب التي يخلدها المغاربة كل يوم 20 غشت منذ حادث إقدام سلطات الاستعمار الفرنسي على نفي الملك محمد الخامس رحمه الله سنة 1953. وركز الخطاب الملكي على قضية مركزية تتعلق بالتعليم . ومعلوم أن خطاب العرش الأخير لم يتطرق لقضية التعليم ، مما تأوله المتتبعون بغضبة الملك على فشل مخططات إصلاح هذا القطاع رغم الجهود التي بذلتها الدولة ونسبة الخمس التي يمتصها من الميزانية العامة . ومن أجل مواجهة وضعية الفشل التي انتهى إليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، وضعت الوزارة مخططا استعجاليا يغطي الفترة الممتدة من 2009 إلى 2012 بتكلفة 33 مليار درهم ( 1 دولار = 8 دراهم) . إلا أن هذا المخطط بدوره انتهى إلى الفشل باعتراف وإقرار من الدوائر المختصة والوزارة الوصية . 

فقد كشف تقرير للافتحاص المالي لتنفيذ مشاريع البرنامج الإستعجالي، الخاص بالتعليم المدرسي، فشل البرنامج الذي كلف ميزانية الدولة 33 مليار درهم خلال أربع سنوات، 2009-2012. فبخصوص نسبة تمدرس الأطفال فقد أكدت الأرقام أنه تم تحقيق نسبة 63% للفئة العمرية 4-5 على المستوى الوطني، أما الفئة العمرية 6-11، فقد وصلت النسبة 95%، بينما حقق مؤشر تمدرس أطفال الفئة العمرية 14-12 سنة 79% على المستوى الوطني . وأشارت ذات الأرقام إلى أن نسبة تمدرس الأطفال ما بين 15-17، بلغت 53% على المستوى الوطني، وهي تقترب من نسبة التوقع الذي حدد في 60%.

ونفس الخلاصة وردت في تقارير أخرى ، إذ رسم تقرير صدر عن معهد “اليونسكو” للإحصاءات، صورة سوداوية عن الوضع التعليمي بالمغرب، وأشار التقرير الذي قدم مقارنة إحصائية للتعليم في العالم لسنة 2011، إلى أن المغرب يحتل مراتب متأخرة في أغلب المؤشرات مقارنة مع دول عربية وإفريقية عديدة.وكشف التقرير الذي تناول محاور تتعلق بالمنظور العالمي حول تقدم التلاميذ إلى المستوى “الثانوي”، ونسبة الأساتذة وبيئة وجودة وتمويل التعليم، عن أرقام صادمة حول الواقع التعليمي بالمغرب، بحيث أن نسبة 10 في المائة من الأطفال الذين بلغوا السن المخولة لهم للالتحاق بالتعليم الابتدائي لم يلتحقوا بالمدرسة سنة 2009، فيما حققت تونس نسبة 100 في المائة من التمدرس، وحققت قطر نسبة 98 في المائة ومصر 97.5 في المائة، والكويت بنسبة 97 في المائة ثم البحرين بنسبة 93 في المائة، فيما تفوقت دول مثل مالاوي وبورندي اللتين حققتا نسبة تجاوزت ال100 في المائة، وتفوقت دول إفريقية أخرى مثل الموزمبيق وتانزانيا والبنين وأوغندا والكاميرون وزامبيا والطوغو، على المغرب في النسبة الصافية للالتحاق الأطفال بمرحلة التعليم الابتدائي.  كما سجل التقرير أن نسبة المقروئية بالنسبة للمغاربة فوق 15 سنة حوالي 56 في المائة، يشكل النساء منها نسبة 44 في المائة، وبلغ مؤشر بين الجنسين معدل 0.64، والمعطى المستخلص من نسبة المقروئية أن نسبة الأمية تقارب نسبة المغاربة الذين يعرفون القراءة والكتابة، وكشفت البيانات المقارنة، أن المغرب يحتل مرتبة جد متدنية مقارنة مع الدول العربية إلى جانب موريتانيا، وقد سجلت قطر نسبة 95 في المائة من نسبة المقروئية تليها الأردن بنسبة 91 في المائة، وحققت عمان وليبيا والسودان وتونس ومصر نسب مرتفعة.

أمام هذه الوضعية المأساوية لقطاع التعليم ، والتي عجزت كل المخططات عن إصلاحها والخروج بالتعليم منها ، جاء الخطاب الملكي ليضع خارطة طريق لإصلاح التعليم بعيدا عن الخلفيات والحسابات السياسوية التي كانت عاملا أساسيا في إفشال جهود الدولة من أجل النهوض بالقطاع وإصلاح اختلالاته . وأولى مداخل الإصلاح أن يتم التركيز اساسا على جودة التعليم ومضمونه . 

ذلك أن مخططات الإصلاح السابقة جعلت أهدافها الأساسية محصورة في تعميم التعليم ، أي الجانب الكمي . ورغم ذلك فشلت فيه . من هنا شدد الخطاب الملكي على الجودة (  لذلك يتعين الانكباب الجاد على هذه المنظومة٬ التي نضعها في صدارة الأسبقيات الوطنية. 

هذه المنظومة التي تسائلنا اليوم٬ إذ لا ينبغي أن تضمن فقط حق الولوج العادل والمنصف٬ القائم على المساواة٬ إلى المدرسة والجامعة لجميع أبنائنا. وإنما يتعين أن تخولهم أيضا الحق في الاستفادة من تعليم موفور الجدوى والجاذبية٬ وملائم للحياة التي تنتظرهم). 

فتعميم التعليم وتوفير فرص الالتحاق بالمدرسة أمام كل الأطفال هو حق لهم ولا يمكن التخلي عنه . ولا يمكن اتخاذ تعميم التعليم مقياسا للجودة والفاعلية . لهذا نبه الخطاب الملكي إلى العطب الرئيسي الذي يعوق كل إصلاح ، والمتمثل في منطق شحن التلاميذ بالمعلومات . إذ لا يمكن أبدا تحقيق الإصلاح بالاعتماد على هذا المنطق. 

من هنا جاء في الخطاب الملكي ( وفي هذا الصدد٬ ينبغي إعادة النظر في مقاربتنا٬ وفي الطرق المتبعة في المدرسة٬ للانتقال من منطق تربوي يرتكز على المدرس وأدائه٬ مقتصرا على تلقين المعارف للمتعلمين٬ إلى منطق آخر يقوم على تفاعل هؤلاء المتعلمين٬ وتنمية قدراتهم الذاتية٬ وإتاحة الفرص أمامهم في الإبداع والابتكار٬ فضلا عن تمكينهم من اكتساب المهارات٬ والتشبع بقواعد التعايش مع الآخرين٬ في التزام بقيم الحرية والمساواة٬ واحترام التنوع والاختلاف). 

فقد أضاعت الدولة فرصا كثيرة لإصلاح التعليم كما ضيعت أموالا كثيرة في سبيل الإصلاح دون جدوى لأنها ظلت تحافظ على منطق التلقين الشحن . في حين ، كما جاء في الخطاب الملكي (إن الأمر لا يتعلق إذن٬ في سياق الإصلاح المنشود٬ بتغيير البرامج٬ أو إضافة مواد أو حذف أخرى٬ وإنما المطلوب هو التغيير الذي يمس نسق التكوين وأهدافه. 

وذلك بإضفاء دلالات جديدة على عمل المدرس لقيامه برسالته النبيلة٬ فضلا عن تحويل المدرسة من فضاء يعتمد المنطق القائم أساسا على شحن الذاكرة ومراكمة المعارف٬ إلى منطق يتوخى صقل الحس النقدي٬ وتفعيل الذكاء٬ للانخراط في مجتمع المعرفة والتواصل). 

فضلا عن هذه الأعطاب الهيكلية التي تعوق إصلاح التعليم ، درجت الدولة على إقصاء الشباب من عملية الإصلاح ؛ علما أن هذه الفئة لها من الكفاءة ما يمكن الاستفادة منه في اقتراح مشاريع ومداخل الإصلاح . واعتبارا لأهمية الشباب في رسم مستقبل الشعب والوطني ، نص الدستور الجديد على تشكيل مجالس تضمن إشراك الشباب . 

ولا يمكن تحقيق الاستفادة المرجوة من هذه الآليات التمثيلية للشباب إلا بتأهيل الأجيال الصاعدة . وهذا ما شدد عليه الخطاب الملكي ( لقد أولى الدستور الجديد للمملكة أهمية قصوى للديمقراطية التمثيلية والتشاركية بالنسبة لكافة المواطنين٬ ونص على إحداث مختلف آليات هذه المشاركة الفعالة في الحياة العامة للبلاد.

ومما لا شك فيه أن انخراط الشباب في هذا الخيار الاستراتيجي٬ يظل رهينا بمدى تأهيله وإعداده للمستقبل٬ وهذا ما يحيلنا على المنظومة التربوية٬ وقدرتها على تكوين الأجيال الصاعدة٬ وإعدادها للاندماج الكامل في المسار التنموي الديمقراطي للمجتمع.) . 

وهذه مسئولية الحكومة التي لم يتم انتخابها فقط لتدبير الشأن العام ، بل ايضا لرسم مستقبل الوطن . ومن مداخل رسم هذا المستقبل النهوض بالمدرسة العمومية بكل مكوناتها . 

ولعل الخطاب الملكي جاء ردا مباشرا على اجتهادات وزير التعليم الذي سار على نهج سابقيه في تحميل الأساتذة مسئولية فضل مخططات الإصلاح ، في حين أن الأساتذة هم ضحايا هذه المخططات التي تفتقر إلى الفاعلية ، لأنها تعتمد نفس المنطق التقليدي الذي يقوم على التلقين وتهميش ملكة النقد والابتكار . 

ومن أجل تجاوز هذا الإشكال دعا الخطاب الملكي الحكومة إلى النهوض بالمدرسة العمومية لأنها هي المدخل الوحيد لتأهيل الشباب عماد المستقبل حتى يكون فاعلا في الآليات التي نص عليها الدستور  ( وفي هذا الصدد٬ ندعو الحكومة للعمل في هذا الاتجاه٬ من خلال التركيز على ضرورة النهوض بالمدرسة العمومية٬ إلى جانب تأهيل التعليم الخاص٬ في إطار من التفاعل والتكامل.

وللنهوض بالقطاع التربوي والتعليمي٬ بما يقتضيه الأمر من شراكة ومسؤولية٬ فإنه يتعين الإسراع بتفعيل مقتضيات الدستور٬ بخصوص المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي٬ في صيغته الجديدة٬ على أن تساهم هذه الهيأة في إنجاح هذا التحول الجوهري والمصيري٬ ليس بالنسبة لمستقبل الشباب فحسب٬ بل ولمستقبل المغرب٬ بلدا وأمة ). 

وبالموازاة مع إصلاح التعليم ، حث الملك الحكومة على الاهتمام بقطاع الثقافة والرياضة بتوفير البنى التحتية اللازمة في كل مدن وجهات المملكة . فقد درجت الحكومات السابقة على الاهتمام بما كان يعرف على الاستعمار “بالمغرب النافع” حيث توفر تتوفر للشباب ملاعب رياضية ودور للشباب وللثقافة ؛أما في “المغرب غير النافع” فلا وجود لها إلا ما ندر. 

ولا شك أن توفير شروط إدماج الشباب سيفتح أمامهم سبل المشاركة في رسم معالم المستقبل لهذا الوطن ، كما سيبعدهم عن تيارات التطرف والغلو التي تستغل طاقات الشباب في تدمير الوطن وليس بنائه . ذلك أن الفراغ الفكري وضعف ملكة النقد والافتقار إلى آلية التفكير السليم ، عناصر يستغلها المتطرفون لاستقطاب الشباب وتجنيدهم ضد بلدانهم. 

من هنا شدد الخطاب الملكي على ضرورة توفير المرافق اللازمة للاستجابة لحاجيات الشباب  (وبموازاة ذلك٬ يتعين توفير الظروف الملائمة للولوج إلى السكن والصحة٬ ومختلف خدمات القرب٬ من مرافق رياضية٬ وفضاءات ترفيهية٬ وهياكل تساعد على الاندماج٬ ومراكز تكنولوجيا المعلومات والاتصال. 

وإذا كان شبابنا يتطلع بكل مشروعية إلى القيام بدوره الهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية٬ فإنه يرغب كذلك في الانخراط في مجالات الإبداع الثقافي والفني٬ الذي تظل فضاءاته غير متكافئة٬ بين مختلف المناطق المغربية.

فالثقافة تعد اليوم رافعة أساسية للإبداع والابتكار٬ وتغذية الروح٬ وإبراز الشخصية الوطنية٬ وبالتالي هي المحرك لدينامية مجتمعنا٬ الذي بقدر ما يعتز بتعددية روافده٬ وبرصيده الحضاري العريق٬ فإنه يظل متمسكا بتنوع خصوصياته وبانفتاحه على العالم.)

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*