الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » معانٍ مهمة في فقه الاحتساب بين الشأنين الخاص والعام

معانٍ مهمة في فقه الاحتساب بين الشأنين الخاص والعام

يعبر الفقهاء المتقدِّمون، بمصطلح حقوق الله للإشارة إلى الجانب المتعلِّق بالتزامات الفرد الأخلاقية، بينما استخدموا مصطلح حقوق العباد للدلالة على الالتزامات الحقوقية الاجتماعية. ومن هنا يتبين الخطأ الشائع لدى بعضهم، حين يجعلون الشريعة بمجموعها مرادفة للقانون، فالشريعة الإسلامية المتمثلة في نصوص الكتاب والسنة ليست قانونا تفرضه الدولة، وإنما الأصل فيها، أنها ديانة إيمانية وقواعد أخلاقية ذاتية الالتزام، يعتنقها الأفراد وتحكم سلوكهم، هذا هو الأصل في أحكام الشريعة، وهو الغالب منها.

ولكن نؤكد دفعا للبس: أنه لا يعني هذا أن الشريعة مجرَّد أحكام شخصية فردية ليس لها تعلّق بالشأن العام وتنظيم المجال الاجتماعي، بل من له أدنى معرفة بالشريعة وقواعدها، يدرك بوضوح أنها قد تضمنت أيضا أحكاما متعلقة بتنظيم المجال الاجتماعي، وفق قيم وأخلاقيات معينة تنسجم مع أهداف وغايات المجتمع المسلم، كالأحكام التعاقدية والحقوقية والجنائية. من هنا كانت ضرورة فك الاشتباك بين هذين النوعين من أحكام الشريعة، حين نتحدث عن علاقتها بالسلطة والفعل السياسي. فالشريعة من جهة علاقتها بالسلطة والفعل السياسي، تنقسم إلى قسمين:

1)أحكام شرعية إيمانية فردية أخلاقية.

2) أحكام شرعية إيمانية اجتماعية حقوقية.

فالقسم الأول، لا يتصف بصفة قانونية حقوقية، ومن ثَم لا يحق للسلطة التدخل في فرضه من حيث العموم، فأداء فريضة الحجِّ مثلا، واجب مؤكد، وركن من أركان الإسلام، لكنه واجب تعبدي إيماني ذو طبيعة أخلاقية، ذاتية الالتزام، وليس واجبا حقوقيا، حيث لا يلزم من إهماله وتعطيله من قبل الفرد تدخل المؤسسات السلطوية في الدولة، لإجبار الفرد على أدائه. بينما أداء الزكاة والإنفاق على العيال وردّ الدَّين ونحو ذلك فهي من القسم الثاني، أي إنها واجبات إيمانية أخلاقية حقوقية قانونية، تتولى الأجهزة السلطوية مهمة إلزام الفرد بأدائها.

ومنشأ هذا التقسيم، هو أن منطق الشريعة من الوجهة السلطوية، يقوم على تمييز البعد الفردي الأخلاقي من البعد الاجتماعي الحقوقي، مع العلم أن أحكام الشريعة على مستوى (الواجب والحرام) كلها محلّ إلزام من حيث الديانة، سواء أكانت فردية الأخلاقية أم اجتماعية حقوقية، ولكن الفرق أن الأحكام الفردية الأخلاقية، التزامها ذاتي فردي مبني على الاختيار الحرّ، المنوط بالمسؤولية التكليفية، أمام الله تعالى، من دون إجبار أو إكراه خارجي سلطوي، ومن ثمَ فالمسؤولية فيها مسؤولية أخروية فقط، وأما الأحكام الاجتماعية الحقوقية، فالتزامها قانوني مؤيد بسلطة الدولة ومؤسساتها التنفيذية، ومن ثم فالمسؤولية فيها دنيوية وأخروية. وأصل هذا التمييز نجده في كلام بعض الفقهاء، وإن كان بمعنى آخر، كالإمام القرافي ــــ مثلا ــــ حين يقول: ”اعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم ألبتة، ”أي الحكم السياسي التنفيذي والقضائي”، بل الفتيا فقط، فكلما وُجِد فيها من الاختيارات فهي فتيا فقط، فليس لحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة، ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون نجسا، فيُحرِّم على المالكي بعد ذلك استعماله، بل يقال في ذلك: إنما هو فتيا، إن كانت مذهب السامع عَمِلَ بها، وإلا فله تركها والعمل بمذهبه”. (الفروق، 4/38).

والمقصود ليس كل حكم شرعي لازم من حيث الديانة، يكون لازما من حيث القانون والفعل السياسي السلطوي، وأيضا الأحكام الشرعية المتعلقة بالجانب الحقوقي، هي أصلا أحكام أخلاقية من حيث المبدأ، فكونها حقوقية لا يعني أنها ليست أخلاقية، بل جميع الأحكام الشرعية، أحكام تعبدية أخلاقية من حيث الأصل، كما ورد في الحديث: ”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. ولكن هذا لا يعني أن كل حكم أخلاقي هو حقوقي بالضرورة، فالعلاقة بين الأحكام الأخلاقية والأحكام الحقوقية هي علاقة عموم وخصوص، فكل حكم حقوقي هو أخلاقي، ولكن ليس كل أخلاقي هو حقوقي. فتحريم القذف حكم أخلاقي، لكنه في الوقت نفسه، حكم اجتماعي حقوقي، ومن ثم فهو يقع تحت طائلة القانون والسلطة، لأنه مرتبط بحقوق الآخرين. كذلك تحريم الخمر والزنا، أحكام أخلاقية من حيث الأصل، ولكن من حيث تعلقها بالفعل السياسي السلطوي، تنقسم إلى قسمين:

1) إما أن تكون فردية ليس لها علاقة بالمجال الاجتماعي، يقترفها الشخص في حيِّزه الخاص، أي في مجال ”الستر” بالمفهوم الشرعي، وحينها تكون المسؤولية مسؤولية فردية، ولا يحق للسلطة السياسية التنفيذية أن تهتك هذا الستر، ولا يجوز لها شرعا أن تتجسس وتعتدي على الفرد في مجاله الخاص.

2) وإما أن يكون الفعل متعلقا بالمجال العام، كأن يقترف الفرد شرب الخمر وفعل الزنا في الطرقات أو في الأماكن العامة أمام الناس، فمثل هذه الممارسات، وإن كانت فردية بلا شك، والفرد مسؤول عن ممارساته بصفة ذاتية، إلا أنها وقعت في مجال عام، والمجال العام ملك مشترك لكل أفراد المجتمع، وليس لفرد معيّن، ولهذا فيجب أن يكون تنظيم وإدارة المجال العام ــــ كما هو معروف ــــ وفق القانون، ومن ثم فأي خرق ومخالفة لهذا النظام العام، هو مخالفة تقع تحت طائلة القانون.

وبالتالي، إذا كان المجتمع مسلماً، ويقوم نظامه على مبادئ الشريعة الإسلامية، فتحريم شرب الخمر وفعل الزنا، سيكون تحريما أخلاقيا وحقوقيا في آن:

أخلاقي فردي إذا كان في الحيّز الخاص، واجتماعي حقوقي إذا كان في الحيّز العام.

فالأول لا يخضع للسلطة ولا يكون تحت طائلة القانون، بينما النوع الثاني يخضع للسلطة ويكون تحت مسؤولية القانون.

هذا التقسيم، الذي ميَّزنا من خلاله بين الممارسة الأخلاقية الفردية، والممارسة الاجتماعية الحقوقية، ليس جديدا في الحقيقة، بل هو مبني على المشهور من كلام الفقهاء، فالفقهاء يقسمون المنكر إلى قسمين: منكر خفي، ومنكر علني، ويحرِّمون التعرُّض للمنكر الخفي، بخلاف المنكر العلني الذي يجب إنكاره. قال ابن مفلح الحنبلي: ”قال في الرعاية: ويحرم التعرُّض لمنكر فعلٍ خفي، على الأشهر، أو مستور، أو ماض، أو بعيد”. الآداب الشرعية، 1/276.

والأصل في الممارسات السلوكية الفردية، إذا استتر بها الإنسان، فإنها منوطة بالمسؤولية الشخصية التكليفية أمام الله، وليست منوطة بالمسؤولية القانونية أمام السلطة، ومن ثم لا يحق للسلطة التدخل في متابعة هذه السلوكيات أو ضبطها، يؤكد ذلك حديث ابن عمر عن رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، أنه قال: ”اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها، فمن ألمَّ بها فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبدِ لنا صفحته نقمْ عليه كتاب الله تعالى”.

——————

نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد اللطيف القرني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*