السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في بنود ميثاق مكة

قراءة في بنود ميثاق مكة

اختتمت في مكة المكرمة قمة مؤتمر التضامن الإسلامي الاستثنائي الذي دعا إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز؛ وهي ليست المرة الأولى التي تكون فيها المملكة العربية السعودية 

سبّاقة لمثل هذا الجمع العربي الإسلامي لتحقيق الوحدة الإسلامية ولمّ الشمل العربي – الإسلامي، ومواجهة التحديات النازلة والمستعصية؛ ويكفي الرجوع بالتاريخ إلى سنة 1926 عندما دعا الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، إلى عقد مؤتمر إسلامي عالمي في مكة، للبحث في الأوضاع الإسلامية وشؤون العرب والمسلمين، خاصة وأن تلك الفترة صادفت قيام مصطفى كمال أتاتورك بإلغاء الخلافة الإسلامية حيث كانت تركيا مقرها… 

في هذا الجانب، أعلن الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلي ميثاق مكة المكرمة لتعزيز التضامن الإسلامي والذي تلاه في الجلسة الختامية لقمة المؤتمر؛ لا يسمح الوقت هنا في الخوض في كل التوصيات والبنود التي اتفقت عليها الدول المشاركة وهي متعددة، ولكن سنقف في هاته المقالة عند أهمها: 

– “تعليق عضوية سوريا في المنظمة” والإجراء نابع من إحساس الدول الإنساني عن الوحشية اللاإنسانية التي وصل إليها النظام السوري في أبشع صوره من تقتيل وتنكيل وإجرام؛ ولا يمكن للتاريخ أن ينسى ما قام ويقوم به بشار وأتباعه، فالنظام سيفنى إن عاجلاً أم آجلاً، لأنه مستحيل أن يحكم شعباً مَنْ قتل الأطفال والنساء وخرّب البيوت والمساجد، ولأنّ عامل الثقة بين الحاكم والمحكوم لم يَعُد قائماً ولا يمكن أن يبنى من جديد أو أن يغرس باَليات ومؤسسات جديدة مع بقاء النظام القديم. كان بإمكان بشار وأتباعه أن يستدركوا الأمر منذ البداية ويتعظوا بدول مثل ليبيا، ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فهم لا يهتدون، وكانت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة؛ وتصوروا معي لو أنّ بشاراً امتلكته الحكمة وخلق ميثاقاً تعاقدياً بين النخبة السياسية في الحكم وبين جميع أطياف المجتمع بما فيها المعارضة، وأدخلهم المجال السياسي العام، لأنقذ البلاد والعباد ولعمّ الأمن والأمان كل المؤسسات، ولاستحكمت الثقة بين النظام وشعبه في عالم الفيسبوك والتويتر. 

– “بناء قدرات هذه الأمّة ومؤسساتها وتطوير أنظمتها في كل المجالات، عبر برنامج متكامل يستهدف الطاقات العاملة والتخصصات المتنوعة بالأمّة، ويستشرف آفاق المستقبل ومواجهة تحدياته، ويستشعر في حد ذاته خطورة التفريط في الزمن والتباطؤ في الإصلاح والتعاون”؛ وهذا الكلام صحيح وفيه جانبان؛ الجانب الأول عامل الوقت والإصلاح. فالوقت لم يَعُد يرحم والإصلاح ضرورة من الضروريات في القرن الواحد والعشرين. وهذا الكلام يعني أنّ الدول الإسلامية بأكملها وبدون استثناء، بحاجة إلى مراجعة للنفس والقيام بكل الإصلاحات اللازمة لتجديد الثقة بين وداخل المؤسسات، وبين الفاعلين في المجال السياسي العام والمحكومين، وتحقيق فرص الشغل والقضاء على البطالة وتشجيع الاستثمار. انظروا معي إلى حكومات ديمقراطية في اليونان وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها… حكومات عن بكرة أبيها أزيحت لأنّ عامل الثقة لم يَعُد قائماُ بين الحكومات وشعوبها؛ ولعل أبرز تمثل لفقدان الثقة كان في المجال الاقتصادي؛ فالأسرة الأوربية تغيّر مستوى معيشتها؛ فلم يَعُد ربّ الأسرة قادراً على تحمل نفقات البيت من تمدرس وتطبيب، ناهيك عن مصاريف العطل، وتعثّر الاقتصاد الوطني، فخرج الناس في ثورات في شوارع أثينا وروما ومدريد وبرشلونة، وأقيمت إما انتخابات سابقة لأوانها كما في إيطاليا وإسبانيا وأزال الناخبون الحكومات السابقة، أو أقيمت الانتخابات في وقتها كما في فرنسا وأزيحت الحكومة السابقة… وأفضل درس يمكن أن نستقيه من هاته الأمثلة التي سردتها والتي تثمّن التوصية السالفة الذِّكر، أنّ الحكومات مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإيجاد رغيف الخبز والشغل والحياة السعيدة لكل مواطنيها؛ الشعارات المدوية لا تسمن ولا تغني من جوع، والشعبوية الضالة والمضلة تأثيرها محدود؛ ومستحيل أن تحقق الحكومات هاته المطالب إذا لم تعجّل بالإصلاحات الضرورية وعلى رأسها الإصلاحات الاقتصادية؛ الشعوب لا تأكل الشعارات المدوية ولا تلبس الشعبوية الزائفة، إنما تحتاج إلى رغيف الخبز لتأكله وإلى لباس حام؛ قد تستطرب الشعارات إن كانت رنانة ولكن إذا كانت صائبة وتنم عن نضج وواقع؛ أما أن تكون ملبية لنشوة سياسوية عابرة فكبّر أربعاً على وفاة مغرّديها… إنّ الوقت لم يَعُد يرحم وعقارب الساعة تغيّرت والويل لمن لم يفهم قواعد هذا الزمان وقواعد هاته العولمة الجارفة ومطالب الأجيال الصاعدة. أما الجانب الثاني فتخص المالات التي يجب على العالم الإسلامي الاضطلاع بها، وهي كثيرة ومتنوّعة ولعل على رأسها قضية التعليم وضرورة تطويره وضرورة التعاون بين أقطاره. فشركة الإيرباص التي مقرّها في تولوز الفرنسية لا تصنع أجزاء الطائرات لوحدها، وإنما هناك تعاون حثيث بين عدة دول أوربية استطاعت من خلال أنظمتها التعليمية وضع برامج تنموية متميزة وإعداد باحثين ومختصين ذوي كفاءات متميزة، وتطوّرت فيما بينها أنظمة صناعية ومجالية متحركة أفادت الأوربيين جميعهم….. 

إذا وضعنا هاته الأمور في الحسبان، فإننا سنخرج فائزين بمعادلة رياضية صحيحة وقابلة للتطبيق الآني وذات النفع الجليل: عامل الوقت لم يَعُد يرحم + ضرورة الإصلاح في جميع المجالات + ضرورة بناء قدرات هاته الأمّة وعلى رأسها التعليم + ضرورة التعاون بين كل أقطار العالم العربي والإسلامي = تحقيق التنمية لكلِّ الشعوب؛ وهاته قاعدة رياضية طبَّقتها قبلنا أمريكا فنجحت اقتصادياً، ثم طبّقتها دول أوربا فنجحت…. أما آن الأوان أن يطبِّقها المسلمون لينجحوا؟ مع العلم أنّ عوامل اللغة والدين تجدها مجتمعة عند العرب والمسلمين أكثر مما هي مجتمعة عند الأوربيين. 

– “إنّ هذه الأمّة أمّة وسط {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}: وهذا يعني أنه لا مكان لأوطاننا للغلو الفكري والعقائدي والديني “إنّ الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه”؛ كما قال الرسول المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم. 

– “أهمية قضية فلسطين باعتبارها القضية المحورية للأمّة الإسلامية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشريف”: وهي طبعاً قضية محورية للأمّة الإسلامية بعد كل الطرق السلمية التي جاءت بها المنظومة الدولية انطلاقاً من قرارات الأمم المتحدة التي لا غبار عليها، وصولاً إلى اتفاقية أوسلو لعام 1993 والمبادرة العربية للسلام بالقمة العربية ببيروت عام 2002 وكلها مبادرات كان مصيرها الفشل بسبب التعنّت الإسرائيلي. 

– “الوقوف صفاً واحداً في محاربة الفتنة التي بدأت تستشري في الجسد الإسلامي الواحد، حتى استفحل العداء بين المسلمين أنفسهم، وأصبح للأسف الشديد يهدد دولهم في كيانها وأمن شعوبها”: وألم يقل الحق جلّ وعلا: … وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وهاته الفتنة بدأت تحرك الطوائف والأحزاب في أمصار عدة، وبدأت دول تتدخل في شؤون داخلية لدول أخرى، لتزرع الفتنة ولتشتت الصف واللحمة التي تجمع أبناء الوطن، في ظل الدولة الواحدة الحامية لكلِّ الأطياف والمشارب؛ وهذا خطر الطائفية والتشرذم؛ وهذا طبعاً يزكي ما جاء في خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والذي تبنّاه ميثاق مكة، ألا وهو إنشاء مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية للوصول إلى كلمة سواء يكون مقره في الرياض، وسنرجع إلى موضوع الحوار بين المذاهب في المقالة المقبلة بإذن الله، وعيدكم مبارك سعيد، وكل عام وأنتم بألف خير. 

—————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*