السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » استراتيجية دق الأسافين الطالبانية

استراتيجية دق الأسافين الطالبانية

الحروب لا يتحقق الانتصار فيها دوما عن طريق المعارك الحاسمة، فهي غالبا ما تكون صراعات يؤدي فيها أي فعل يكسر إرادة القتال لدى الخصم إلى تقريبك خطوة واحدة من النصر. وفي أفغانستان، تعمل حركة طالبان على استهداف إرادة المجتمع الدولي وحكومة كرزاي عن طريق اختراق أجهزة الأمن الأفغانية وإضعافها. فهجمات «الأخضر على الأزرق» هذه، وهي حالات يوجه فيها الجنود ورجال الشرطة الأفغان أسلحتهم إلى شركائهم من قوات التحالف، ليست حالات فردية، بل تعكس استراتيجية تسير عليها حركة طالبان ولها جذور عميقة في التاريخ الأفغاني.

فمنذ بداية العام، وقعت 31 هجمة «أخضر» على «أزرق» راح ضحيتها 40 قتيلا، وقد صرح العميد غونتر كاتز، المتحدث باسم «الناتو»، للصحافيين مؤخرا، بأن هذه الهجمات هي حالات فردية في معظمها نتجت عن مظالم شخصية وعن الضغط العصبي وإجهاد المعارك. ولكن إذا استمر الأمر على هذا المنوال، فربما يشهد عام 2012 وقائع من هذا النوع أكثر مرتين مما شهده عام 2011، على الرغم من التراجع الكلي في عدد قوات التحالف الموجودة في أفغانستان. وبالنسبة للولايات المتحدة بمفردها، فإن هذه التهديدات من قبل المنتمين للداخل تمثل حاليا ثلث إجمالي حالات الوفاة، ويزداد تعرض الجنود لخطر القتل على يد الشركاء الذين أرسلوا من أجل تدريبهم وتوجيههم.

ويمثل تزايد هجمات الأخضر على الأزرق تحولا فارقا في مسار الصراع، حيث بدأ المسلحون يخسرون أرضا في ساحة المعركة، ولم تعد عبواتهم الناسفة وهجماتهم المنظمة تحدث نفس تأثير الصدمة الذي كانت تحدثه في السابق، على الرغم من أنها ما زالت قاتلة. وفي ظل تزايد الضغوط، بدأت جماعات مثل حركة طالبان في البحث عن طرق منخفضة التكلفة لمهاجمة قوات التحالف وأجهزة الأمن الأفغانية. وبالتالي، فإن هذه التهديدات من العناصر الداخلية تمنح المسلحين وسيلة للحفاظ على قوتهم القتالية، وفي الوقت ذاته دفع القوات الدولية نحو الخروج من البلاد. فهجمات الأخضر على الأزرق هذه تدق إسفينا بين المستشارين الأجانب وشركائهم الأفغان، حيث إن هذا الاختراق يضعف من مستوى الثقة، وهذه الهجمات تصيب المستشارين الأجانب بالضيق والضجر كما تؤثر على جودة التدريب، والقوات الأفغانية تفقد فعاليتها وسط حيرة القادة وتساؤلهم عمن يستطيعون الثقة بهم من بين صفوفهم، والأهالي يترسخ لديهم انطباع بأن جيشهم أصبح قوة معرضة للخطر، وبالتالي تتحول حرب الإرادات إلى قتال من أجل البقاء.

ولا تحتاج حركة طالبان إلى الفوز في ساحة المعركة، بل كل ما تحتاجه هو أن تقلل البلدان الأجنبية، وكذلك الأفغان، من دعمهم للحكومة، ومن شأن دق إسفين بين الشركاء وتقويض الثقة في أن يحققا هذا الهدف، أي أن العدو بدأ يتكيف حسب الضرورة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الاختراق والحيلة هما من السمات الثابتة في طريقة الحرب الأفغانية، حيث يزخر التاريخ الأفغاني بقصص المكائد والحيل التي يتم فيها تفريغ الخصم من داخله وتتآكل فيها الجيوش الكبيرة بالتدريج. على سبيل المثال، فقد أدى اغتيال شاه إيران نادر شاه أفشار (1688 – 1747) على يد مجموعة من بطانته المقربين إلى فرار صديقه المؤتمن أحمد شاه الدراني مع القوات المخلصة له، ليقوم بحشد القبائل الأفغانية في قندهار، ويؤسس دولة سابقة على الدولة الأفغانية الحديثة، وهي الإمبراطورية الدرانية، كما شهدت الحرب البريطانية الأفغانية الأولى (1839 – 1842) استعانة شاه شجاع بالبريطانيين كي يستعيد السلطة من أخيه محمد شاه، وفي معركة مايواند أثناء الحرب البريطانية الأفغانية الثانية (1878 – 1880)، وهي معركة كثيرا ما تستشهد بها الدعاية الطالبانية، عانى البريطانيون من فرار كثير من الجنود الأفغان الملتحقين بصفوفهم.

وهذا الاتجاه نفسه يطل برأسه في التاريخ العسكري الأفغاني المعاصر، حيث لم تكن حالات الفرار الجماعي لوحدات الجيش الأفغاني المتحالفة مع السوفيات بالقليلة في فترة الجهاد ضد الشيوعيين. وأثناء الحرب الأهلية الأفغانية، دأبت الفصائل على تغيير مواقفها من أجل اكتساب ميزة من المزايا، فالزعيم الأوزبكي عبد الرشيد دوستم غير موقفه 3 مرات، وفي عام 1996، انتقل قلب الدين حكمتيار من القتال ضد تحالف الشمال الذي يقوده الطاجيك لينضم إلى صفوفهم ويقاتل ضد حركة طالبان، كما باع كرزاي كثيرا من زعماء القبائل المؤيدة لحركة طالبان أثناء الاستيلاء على قندهار بدعم من قوات التحالف عام 2001. وبالنظر إلى هذه الخلفية التاريخية، فإن التعامل مع هجمات الأخضر على الأزرق باعتبارها حالات فردية لا يعترف بمدى خطورة الموقف ولا باستراتيجية حركة طالبان، فالمسلحون يستنزفون قوات الأمن الوطني الأفغانية من الداخل، وهناك خصم قادر على التكيف يستهدف عن عمد أواصر الثقة التي مدت بصعوبة بين الشركاء من الأفغان وقوات التحالف، وأول خطوة لعلاج هذا المرض هي تشخيص المشكلة.

* أستاذ مساعد في كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأميركية وكذلك في القيادة المركزية لقوات مشاة البحرية وكلية أركان الحرب.. وسبق له أن خدم في أفغانستان كضابط بالحرس الوطني في ولاية ميريلاند

* خدمة «نيويورك تايمز»

—————–

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- بنجامين جينسن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*