الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإنحراف الفكري ومظاهره :

الإنحراف الفكري ومظاهره :

الفكر في اللغة :

يرى ابن فارس في معجم مقاييس اللغة أن مادة فكر تفيد تردد القلب في الشيء يقال إذا ردد قلبه معتبراً ورحل فكبر فكير أي كثير الفكر. ويرى صاحب القاموس المحيط أن الفكر هو إعمال النظر في الشيء، أما صاحب المصباح المثير، فإن الفكر عنده تردد القلب بالنظر والتدبر لطلب المعاني ويقال لي في الأمس فكر أي نظر رؤية.([1])

الفكر اصطلاحاً :

يفرق الأصفهاني بين الفكر والتفكير فيقول: الفكر قوة مطرفة للعلم إلى المعلوم ، والتفكر هو تلك القوة بحسب نظر العقل للإنسان دون الحيوان .. لذا روي “تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله”. وعند ابن القيم” هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منها معرفة ثالثة . وقيل إن الفكر هو إعمال العقل في مشكلة من المشكلات من أجل الإحاطة بها وفهمها وطرح الحلول لها.([2])

ومما لاشك منه أن الفكر هو الوعاء الذي تخرج منه سلوك الإنسان وإذا كان الإنسان فكره سليم فسلوكه قويم وإذا كان منحرف سلوكياً فاعتقد أنه سيكون مضطرب فكرياً ومن خلال هذه المعادلة وردت كلمة فكر في القرآن الكريم في عدة مواضع

الانحراف :

هو الميل إلى الحرف أي الطرف هو العدول عن الشيء فالانحراف هو الخروج عن جادة الصواب والبعد عن الوسط المعتدل وترك الاتزان. ويكون الانحراف الفكري باختلال في فكر الإنسان وعقله والخروج عن الوسطية والاعتدال في فهمه وتصوراته للأمور الدينية والسياسية وغير ذلك.

الانحراف الفكري في الاصطلاح:

هو الفكر الذي لا يلتزم بالقواعد الدينية والتقاليد والأعراف والنظم الاجتماعية .. أي أنه الفكر الشاذ الذي يحيد ويخالف تعاليم الإسلام.([3])والفكر المتبع قادر على الاستمرار ومناعته نابعة من طبيعته ومقوماته الذاتية ومقومات الفكر الإسلامي ليست شيئاً يصنفه الناس جرياً وراء  أهوائهم أو اجتهاداتهم الشخصية.

فالفكر لا يكون إسلامياً إلا إذا كان تكوينه في إطار تعاليم الإسلام ومقاصده العامة ولا يكون نموه صحيحاً إلا إذا كان عن طريق حبل سري متصل بالمصالح المنضبطة لأمته وبالطبيعة  البشرية ” . ويرى الدكتور بكار ” إن الغلو بكل سماته وأشكاله ومظاهره ومنطلقاته بشكل إحدى الآفات والعلل المزمنة والخطيرة التي طالما أصابت الفكر الإنساني والإسلامي” . ([4])

ولا شك أن الانحراف الفكري من أخطر أنواع الانحراف المهددة لأمن المجتمع واستقراره فالفكر المنحرف الذي يؤثر على الأمن هو الفكر المتطرف الذي يتخذ من الدين ستاراً لنشر فكر وترويجه في المجتمع ويبدأ بالأسرة ومظاهر خروج الفكر المنحرف منها عن طريقه سلوكيات شاذة تكون  هدفها المعارضة على المستويات الدينية والسياسية والاقتصادية والتربوية والإعلامية والأمنية.

ولقد أجمع الباحثين أن من أهم العوامل المؤدية للانحراف الفكري وتطرفه هي:

(1)نقص التربية الإيجابية المعتدلة وقلة الفقه في الدين والجهل بالكل والجزء وعدم الربط بين الفرع والأصل.

(2)عدم أخذ العلم الشرعي من أهل العلم والعلماء والاعتماد على أصحاب الأصوات المعارضة العالية .

(3)ضعف الولاء لولاة الأمر للجهل بفقه الولاية وضعف الولاء للوطن.

(4)تعدد الفتاوى الشرعية في الموضوع الواحد لدرجة تصل إلى التناقض.

(5)الجهل بفقهية النصوص الشرعية لفقه الحاكمية لله والولاء والبراء والجهاد وهو جهل شرعي ولغوي لدى المنحرفين وهو ليس جهل أو أميّة كما هو معروف وإنما هي أمته دينيته تعنى سوء الفهم الديني. ([5])

مظاهر الانحراف الفكري:

(1)ضعف التربية الصحيحة من خلال الأسرة عن طريق:

§ قلة المتابعة والعناية والاهتمام بأفراد الأسرة من آبائهم وأمهاتهم في المجتمعات العربية والإسلامية.

§ التفكك بين أفراد الأسرة.

§ عدم مراعاة حاجات وخصائص أفراد الأسرة.

§ القصور في الأساليب التربوية والأسرية ( التدليل الزائد- القسوة والتشدد).

§ ضعف الحوار والتشاور بين أفراد الأسرة.

(2)ضعف التربية من خلال المؤسسات التربية ( المدرسة – الجامعات).

§ التركيز على المادة العلمية وإغفال الجانب التربوي وفقدان الحوار.

§ القدوة السيئة في بعض المعلمين.

§ عدم مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب.

§ ضعف دور الإرشاد الطلابي.

§ ضعف الأنشطة التي تلبي قدرات واستعدادات ورعاية الطلاب.

§ عدم التركيز على حل المشكلات النفسية والاجتماعية داخل المؤسسات التعليمية.

§ ضعف الحضانة الذاتية.

§ القصور في ربط دور البيت بدور المؤسسة التعليمية وعدم وجود آلية واحدة للتربية كل منهما يكمل الآخر ويتوحد في غرس الفكر الصحيح.

(3)تأثير قنوات الإعلام على مبادئ وقيم الإنسان العربي ومن أكبر الآثار زعزعة العقيدة الإسلامية في نفوس النشء وشيوع الرذيلة وإثارة الغرائز وعرض السلوكيات المغلوطة في سياق جذاب والاستخفاف بالقيم وانخفاض المستوى التعليمي وزيادة التبعات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

(4)التقنية الحديثة وإدمان الانترنت ودخوله إلى العقول والوصول إليها بغير غاية يؤدي إلى الانحراف الفكري إن لم يتقدمه بمناعات ومعايير وضوابط على عقول الشباب في مراحل نمو تفكيره الأولى.

وفي هذا الإطار فإن الانحراف الفكري هو أخطر وأسوأ أنواع الانحراف لما يحدثه من تخريب مادي وهدم للعزائم وضياع للشخصية وذوبان للخصائص وقد تولت جهات معادية لوسائل متعددة تحاول تذويب الهوية الفكرية عن طريق “الفساد الفكري” لانتقال الحروب من دائرة السلاح الظاهر إلى دائرة الأفكار والتيارات التي تستهدف الإنسان المسلم من خلال أربعة محاور هي:

(1)إقصاء أبناء الأمة عن ثوابتها وقيمها المعتدلة والوسطية ونشر اليأس والانهزامية والكراهية بين صفوفها.

(2)تحويل الولاء إلى المزاعم الضالة والأفكار الشريرة.

(3)العمل على تفكيك وحدة العرب والمسلمين في مبادئهم وقيمهم ووحدتهم.

(4)تعريض الأمن الفكري والمادي في هذه المجتمعات للخطر من خلال إيجاد عناصر ضالة تحسب على الإسلام والإسلام منهم براء.

ولعل هذا الطرح يجعلنا نقول أننا بحاجة إلى مؤسسات إغاثة فكرية لتنقي الفكر مما علق به من انحرافات وأفكار ضالة تؤثر على أمن المجتمع وتتصدى للغزو الفكري الذي يعد من أكبر مكونات الانحراف الفكري وهنا لا يمكن التخلص من آثاره إلا من خلال الإيمان والعزم والإرادة واعتماد استراتيجيات تعتمد على منطلقات واضحة وأهداف محدودة وأساليب علمية تهتم من منطلق التأصيل بالثوابت والقيم من أجل تحقيق التماسك الاجتماعي الذي يقوم على الأمن الفكري وفى هذا المقام لابد أن نشير إلى عناية ولاة الأمر بالحرص على تنقية أفكار المجتمع بوجه عام والشباب على وجه الخصوص من خلال طرح برنامج يستقطب فيه جل العلماء والباحثين في مختلف التخصصات واحتضان جامعتنا الرائدة في كرسي الأمير نايف لدراسات الأمن الفكري  .

([1]) الجنحي : دور التربية في وقاية المجتمع من الانحراف.

([2])الأصفهاني  ، مفردات غريب القرآن .

([3]) الجنحي – الانحراف الفكر والأمن الاجتماعي

([4])  بكار – المناعة الفكرية ص . ، ص.  53 ، 54

([5]) الجنحي – الانحراف الفكري والأمن الاجتماعي

———————————–

*قسم الثقافة الإسلامية

-- *د/رانيا نظمى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*