الإثنين , 5 ديسمبر 2016

البلقنة أم اللبننة؟

عند الحديث عن الحرب الأهلية يتذكر الجميع الحرب الأهلية اللبنانية التي اختلط فيها العامل الطائفي مع الآيديولوجية والصراع الإقليمي أو ما حدث في جمهوريات يوغوسلافيا السابقة التي أخذت بعدا عرقيا أكثر من أي شيء آخر بينما ينسون أن أشهر الحروب الأهلية في التاريخ الحديث هي الحرب الأهلية الإسبانية أعوام 1936 إلى 1939 والتي كانت أصلا تتعلق بهوية الدولة بين القوميين المتشددين وخليط من فرق اليسار وكلهم إسبان مع دعم خارجي من مقاتلين من الحركات اليسارية العالمية.

في الأزمة السورية يبدو الأمر محيرا في توصيف الحالة، وهو ما يظهر في الجدل الذي أحدثه الأخضر الإبراهيمي المبعوث الدولي الجديد الذي حسم أمره بقوله إنه لم يعد مطلوبا منع الحرب الأهلية في سوريا بل إن المطلوب وقفها أي بمعنى أن ما يدور على الأرض حاليا هو حرب أهلية.

الحيرة مصدرها أن عناصر الحرب الأهلية لم تكن موجودة؛ فالبداية كانت انتفاضة عادية بعد تململ طويل من قبل الشعب العادي بأطيافه المختلفة ضد حكم شمولي قاسٍ لم ينجح على المستوى السياسي، ولم يستطع أن يقدم شيئا على الصعيد الاقتصادي، ويبدو أن المنتفضين الذين كان في ذهنهم تونس ومصر لم يدر في خلدهم أن رد فعل النظام سيكون بهذا الشكل، الرصاص مقابل المتظاهرين السلميين، لتتحول الانتفاضة تدريجيا إلى عمل مسلح من قبل الثائرين يرد عليهم النظام يوميا بتصعيد في استخدام أسلحته، فالرصاص تحول إلى قذائف مدفعية ودبابات وصواريخ طائرات.

وتعطي الصور التي توزع يوميا على الإنترنت سواء للمعارضة أو النظام وشبيحته إيحاء بأن هذه مشاهد مجازر البوسنة في البلقان في التسعينات، بينما تعيد مناظر القصف والمنازل المقصوفة وتدمير الأحياء الذاكرة إلى صور الحرب الأهلية السابقة في لبنان.

وليس خافيا أن بعض الأفكار بدأت تتجه إلى أن الأزمة في أسوأ سيناريوهاتها قد تأخذ مسار أزمة البلقان في التسعينات خاصة مع دفع وتهديدات النظام وحلفائه بتصدير الأزمة والتصريحات المتكررة بأن المنطقة كلها ستشتعل، وهو ما بدأ يظهر في اشتباكات طرابلس في لبنان، أو من شكاوى تركية بتشجيع سوري لحزب العمال الكردستاني. أما السيناريو الثاني الذي تعكسه تصريحات المسؤولين السوريين وفي حزب الله فهو أشبه بالصيغة اللبنانية، أي الحوار كأطراف متساوية بعد وقف القتال بصيغة لا غالب ولا مغلوب ورحم الله الذين قتلوا.

والحقيقة أن لا صيغة البلقان، ولا لبنان تصلح لسوريا، فليس هناك أزمة تشبه الأخرى حتى لو بدت الملامح متشابهة، ولا حتى الزمان يتشابه فلكل زمان حلوله وآلياته المختلفة، وقد يكون ما يحدث الآن في سوريا من معارك حربا أهلية، لكنها حرب بين نظام ومستفيدين منه وأناس عاديين كانت مطالبهم وما زالت تتعلق بالحريات والعدالة الاجتماعية، ولم نسمع أحدا يدعو إلى إقصاء أي مكون من مكونات الشعب السوري أو الاستقلال بمنطقة معينة، وعلى العكس فإن الشواهد تدل على أن النظام هو الذي يسعى إلى ذلك.

المصدر: الشرق الأوسط

-- علي إبراهيم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*