الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مراكز الدراسات العقدية والثقافية في المملكة العربية السعودية “ضرورة عاجلة”

مراكز الدراسات العقدية والثقافية في المملكة العربية السعودية “ضرورة عاجلة”

عندما غزت العراق الكويت في أول شهر أغسطس سنة 1990م، كثر التساؤل في الأوساط الثقافية السعودية عن حزب البعث العربي الاشتراكي !!، وكان الكثير مما يُكتب في الصحف أو يقال عن هذا الحزب سواء في المجالس أو عبر وسائل التثقيف المختلفة إبان تلك الفترة، عبارة عن أحكام قطعية عاطفية تفتقد إلى المرجعية التي تستشهد على ما تقول بكلام منقول من مصادره الحقيقة، الأمر الذي دعاني وبعد تفكير طويل وأخذ ورد بحث الموضوع ودراسته دراسة علمية موثقة نلت بها بعد توفيق الله درجة الدكتوراه، وكان الطريق الذي سلكته للحصول على مراجع الدراسة ومصادرها الرئيسة شاقاً ومتعباً، وجزماً هذه المعاناة اعترضت طريق كثير ممن درسوا المذاهب والتيارات السياسية والدينية والثقافية المعاصرة برؤية علمية صادقة وصحيحة تأخذ من المصادر ولا تعول على المراجع كثيراً. ولعل من أهم الأسباب التي ولدت هذا الفقر في المكاتب السعودية العام منها والخاص، سياسية الانغلاق المتبعة حينذاك، وغياب مراكز الدراسات المتخصصة المرخّصة والمدعومة من قِبل الجهات ذات العلاقة بهذا الأمر، أما وقد دعا خادم الحرمين الشريفين إلى الحوار بين المذاهب الإسلامية، فأعتقد أننا نلج مرحلة جديدة توجب التوسع في حيازة المصادر الرئيسة التي تأخذ منها هذه الفرق والمذاهب عقائدها، وتبني عليها سلوكها وتحدد منهجها في الحياة.. إضافة إلى ذلك فإنّ هذا النوع من الحوار المصيري والمؤثر يحتاج إلى استعداد حقيقي وجهود علمية مكثفة خاصة في الجانب البحثي التاريخي منه والميداني وكذا المستقبلي وعلى مستوى العالم الإسلامي، ومن المصدر الأم لا المراجع الناقلة ذات العنعنات الطويلة، ومن أرض الواقع لا نقلاً عن الغير، والأذرع الواجب قيامها وفي أسرع وقت ممكن للظفر بهذا المطلب العزيز، مراكز الدراسات المتخصصة التي تحظى بالدعم المادي والمعنوي وتُسند إلى أهل الثقة والدراية من الباحثين المختصين بالعقائد والدارسين للشأن الثقافي في بلاد عالمنا الإسلامي مترامي الأطراف. 

إنّ الاستشراق الذي قام في الغرب – منذ زمن ليس بالقريب – من أجل دراسة وتحليل ونقد ثقافة واتجاهات وسلوكيات الشعوب الشرقية، اعتمد هذا العلم في الأساس وبشكل قوي على المراكز المتخصصة والباحثين المفرغين في الجامعات الغربية الذين لديهم اهتمام بهذا النوع من الدراسات، ولذلك نجح هذا الفن وتعدّدت أهدافه، واستطاع أن يخدم صناعه الغربيين في تحقيق تطلُّعاتهم التنصيرية والسياسية والاقتصادية، بل وحتى الثقافية والاجتماعية، وما زال الغرب المتقدم يعتمد على مراكز الدراسات في الوصول إلى رؤية مدروسة تسبق مناقشة قرار ما يراد له أن يرى النور، سواء أكان في السياسة أو الاقتصاد أو… 

لقد شاركت في مؤتمرات عدّة في عدد من بلاد عالمنا الإسلامي.. في إندونيسيا مثلاً لفت نظري في إحدى الجامعات التي زرتها الدعم الإيراني للمكتبة الجامعية على وجه الخصوص، وحرصهم على استمالة قلوب القائمين على هذا الكيان التعليمي الهام والتوسع في نشر المذهب الشيعي بشكل علمي مدروس، وسمعت من قِبل بعض الزملاء عن وجود مراكز شيعية متخصصة تدرس العقائد والشعوب، وتحاول أن ترسم استراتيجيات التحرك بشكل متقن في كثير من بلاد عالمنا الإسلامي الذي يختلف عن بعضه البعض فكراً وثقافة واقتصاداً وسياسية و… 

إنّ الدعوة للحوار من قِبل قيادتنا الرشيدة دليل على القوة والثقة بما عندنا من مبادئ وعقائد وقيم، ولكن ذلك لا يكفي، بل لابد من العمل المؤسسي الذي يضمن بإذن الله تكاتف الجهود من أجل الصدع بالحق، وفي ذات الوقت يحقق النجاح لهذا المشروع العالمي المتميّز الذي سكه وبامتياز خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز. 

إنّ هناك الكثير من الباحثين الذين كتبوا دراسات وألّفوا كتباً في هذا الباب ولكنها وللأسف الشديد لم تر النور جراء سياسية النشر المتبعة في بلادنا الغالية.. وأعتقد أنّ المرحلة التي نعيشها توجب إعادة النظر في هذه السياسات وتملي على من أُسندت لهم مهمة تولِّي إدارة المركز التواصل الحقيقي مع هؤلاء المفكرين والحصول على الموافقة السامية الكريمة لتفريغهم من أعمالهم الرسمية وتعيينهم باحثين مفرغين بامتيازات مالية ومعنوية مجزية، والسماح لآخرين بتأسيس مراكز للدراسات الثقافية والعقدية تكون مهمة الإشراف عليها وتسهيل أمرها وتصنيفها مرتبطة بمركز الحوار بشكل مباشر، دمتم بخير وتقبّلوا صادق الود وإلى لقاء والسلام. 

المصدر: الجزيرة

-- د.عثمان بن صالح العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*