الإثنين , 5 ديسمبر 2016

الإرهاب ووجهه البشع

يسوّغ البعض عمليات العنف الإرهابية، وانحراف بعض الشباب فكرياً ودخولهم عمل الأقبية بأنه نتيجة الفقر والبطالة، وإن كان هذا العامل في جانب منه صحيحاً إلا أنه لا يشكّل الدافع الحقيقي وراء العنف، مع أن العنف غير مبرر على الإطلاق، ولا أحد يقبله، لكنه تسويغ هش يتكئ عليه البعض ممن في قلوبهم مرض وزادهم الشيطان مرضاً في محاولة بائسة لإلباس أعمالهم الشريرة لباس المشروعية، والتخفي خلف المتاعب الاجتماعية، والظواهر السلبية وهي موجودة حتماً في كل مجتمع، وفي كل زمان ومكان.

الإرهاب في كل صوره وممارساته هو نتيجة لثقافة، وليس حالة سببها قصور خدمات، أو تأخر مشروعات، أو بطالة تعمل الدولة على معالجة أسبابها، وخلق الفرص الوظيفية أمام الشباب ليعملوا وينتجوا، وإن كانت البطالة في وجه من وجوهها نتيجة لمحاربة الثقافة التي يشرب منها الإرهاب ويستمد تواجده، ومحاربة هذا الفكر وتلك الثقافة لعمل المرأة، ووضع المحرمات أمامها لتبقى معطلة القدرات، موؤودة الإرادة، هامشية في فضائها الاجتماعي.

الإرهاب هو نتاج ثقافة أحادية إقصائية تكفيرية استبدادية، تلغي الآخرين وتضطهدهم، وتحاول بشراسة أن تفرض وجودها كإطار عام للمجتمع بكل فئاته، وتهيمن على تفاصيل الحياة فيه لتقولبها في أنماط المماهاة المستحيلة مع عصور مختلفة في أساليب العيش، ومنتج الحضارة والعلم، وما قدمته المعرفة الإنسانية من تحولات في الأفكار والاختراعات، وتوطين الحداثة في كل فروعها من أجل رخاء الإنسان ومشاركته في بناء مجتمعات متحابة، متسامحة، متناغمة، متلاقحة الثقافات والرؤى. إنه فعل ثقافي أنتجته حلقات الوعظ المتطرف، وقنوات التلفزيون الفوضوية في فتاواها، الموغلة في احتضان فكر تكفيري يستبيح الأعراض، والدماء، والمنجز التنموي والحضاري، وتبني شيوخ التكفير الذين يخدعون مريديهم، والشباب الهامشي في ثقافته ووعيه وتعليمه وقراءاته ومجمل تحصيله المعرفي، ليسخروهم وراء أهداف سياسية في باطنها، خادعة باسم الدين في ظاهرها.

ليس الإرهاب كما يقال عنه احتجاجاً على وضع معيشي، بل تواجد نتيجة لهذه الثقافة التي أصبحت تحاصر الناس في كل شؤون حياتهم، منذ ما اصطلح عليه بالصحوة، وهي صحوة واستقالة من العقل والفكر والهدي الرباني الذي يتخذه المسلمون، كل المسلمين، نبراساً متسامحاً يحث على التفكير والمحبة والتقارب، ويشجع على عمل العقل، إلى فكر متزمت يلغي الحياة، وصناعة المجتمعات بصورة خلاقة، لتعطي إبداعاً وتأثيراً في الأمم والشعوب، وتحويلها إلى مجتمعات تختزن الكره والحقد ومحاربة كل مظاهر الحياة الجميلة في هذا الكون الواسع.

إذن:

نحن نعيش أزمة ثقافة، وأزمة هوية ثقافية، ونتاج هذه الأزمة الإرهاب بكل مضامينه المتوحشة، وأهدافه الإقصائية والتدميرية لكل مشروعات التحديث والتطوير، وطموحات الإنسان إلى صياغة واقع جديد يمتلك فيه المعرفة المؤهلة للسفر إلى المستقبل بأدواته ومتطلباته وجواز سفره، وتأشيرة الدخول إلى رحابه المتألقة. لهذا فإن علينا أن نتنبه جيداً إلى قنوات التواصل المنبري، والوعظي، وما تشيعه قنوات الإعلام المرئي من تحريض وتكفير وتصنيفات فئوية وطائفية ومذهبية، وإعادة العقل إلى سباته المظلم الذي بدأ مع احتلال الحرم المكي الشريف في الأول من محرم عام 1400 ه، ولايزال في سباته، واستقالته من التاريخ.

——————

نقلاً عن الرياض

-- راشد بن فهد الراشد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*