الخميس , 8 ديسمبر 2016

شباب القاعدة

حدث أن كنت عائدا في وقت ما من سنة 1986م في إحدى سفراتي أثناء الدراسة من نيويورك إلى جدة على متن إحدى طائرات الخطوط السعودية. وما أن اتخذت مقعدي حتى وصل شاب سعودي طويل القامة أبيض اللون بهي الطلة وسيم الملامح خفيف اللحية مرتديا الثوب السعودي والغترة البيضاء محيطا معصمه بساعة بدت ثمينة ومعلقا في جيب ثوبه العلوي قلما مذهبا لا يقل عن الساعة ثمنا، ليحتل مقعده بيني وبين رجل مسن عرفت فيما بعد أنه من أهل مكة المكرمة وأن معه ابنتيه الشابتين على الرحلة نفسها. المهم هو أن حديث المسافرين المعتاد انفتح بين ثلاثتنا وكان اهتمام الرجل المسن منصبا على التعرف على الشاب الذي كان يجيب على تساؤلاته بصوت هادئ منخفض أقرب ما يكون إلى الهمس، ليزداد إعجاب الرجل المسن به خاصة بعد أن أخبره بأنه لا يتخلى عن ثوبه وغترته في أي بلد يذهب إليه وأن رحلته هذه (في سبيل الله). والحقيقة أنني شعرت في لحظة ما بأنني أشهد حفلة خطوبة وأن الشاب الذي بجواري بصدد اختيار عروس من بين الفتاتين اللتين لم تهدأ لهما حركة منذ إقلاع الطائرة من مقعديهما باتجاهنا بحجة سؤال الوالد عما يحتاجه ..إلخ. وحين هدأت حموة (الشوفة الشرعية) يبدو أن الشاب شعر ببعض الحرج وهو يلمح ابتسامتي المعبرة دون أن أنبس ببنت شفة فالتفت نحوي، ربما على سبيل المجاملة، لتذويب الجليد وكأنما هو مهتم بالتعارف وليته لم يفعل. فقد سألته عما كان يقصد من قوله (في سبيل الله) وما إذا كان عضوا في جمعية للدعوة والإرشاد أو إحدى جمعيات أو هيئات الإغاثة الإسلامية التي كانت لا تعد ولا تحصى في ذلك الوقت فأجاب بالنفي ولكنه كان يعني بأنه متجه مع سعودي آخر من أصدقائه على الرحلة نفسها إلى الهند لحضور مؤتمر سنوي ليجتمعوا مع مسلمين آخرين على صعيد واحد في حيدر أباد أو كما سماها وأنهما سيبدلان الطائرة في مطار جدة لإكمال الرحلة نحو وجهتهما النهائية. وأضاف قائلا: على سبيل الإبهار وانتزاع الإعجاب: تخيل يا أخي أننا نجتمع هناك مرة كل عام بتعداد يتخطى المليون خلف إمام واحد و(مكبرية) واحدة في سبيل الله. وهنا لم أحتمل استرساله في الوصف فقاطعته قائلا: هل فهمت من حديثك السابق أنك من مكة المكرمة فأجاب بالإيجاب، فسألته: أفلا تلاحظ أن المسلمين يجتمعون بالملايين كل عام على أكثر من صعيد في مكة المكرمة خلف إمام واحد و(مكبرية) واحدة وفي مناسبات عديدة في مقدمتها الحج إلى بيت الله الحرام، والمشهد نفسه يتكرر في المدينة المنورة؟، فأجاب بأن هذا مختلف. فسألته على الفور بأن يريني وجها واحدا للاختلاف فأخذ يردد مقولة إنشائية كان من الواضح أنه يحفظها عن ظهر قلب فرددتها عليه وسألته سؤالا استنكاريا: كيف ترضى أن يحاول أي كان ومهما كانت المبررات أن يسحب بساط قدسية مكة المكرمة (عاصمة العالم الإسلامي المقدسة) من تحت أقدامنا نحو بلاده التي مازالت الأصنام والأبقار معبودة في بعض أرجائها؟، فبدا الضيق بما أقول يتضح على معالم وجهه، ولكنني لم أمهله لأسأله على الفور هل لك أبوان في مكة المكرمة فأجاب بالإيجاب، وسألته متى كانت آخر مرة رآهما فيها فأجاب منذ (سنتين) وهنا سألته متعجبا: كيف يهون عليك التضحية برضى والديك وتمر قربهما مرور الكرام دون أن تذهب للسلام عليهما وطلب رضاهما ومطار جدة لا يبعد أكثر من 70 كيلا عن مكة؟، وهنا يبدو أن احتمال الشاب قد نفد فانتصب مغضبا وأخذ حقيبته اليدوية واتجه نحو مؤخرة الطائرة دون أن يسلم أو يودع ونظرات الرجل المسن المعتذرة تلاحقه لتتحول في النهاية إلى نظرات كره وغضب باتجاهي ربما لأنني ضيعت من بين يديه (عريس لقطة) لإحدى البنات وهو لا يعلم بأنني ربما كنت مسخرا من الله لإنقاذ إحدى بناته من الأسر في جبال أفغانستان أو الاغتصاب في جبال اليمن. المهم أنه ما كان مني أمام نظرات العجوز المحرقة إلا أن مددت ظهر المقعد وغبت قرير العين في سبات عميق حتى وصلنا إلى مطار جدة. هذا النموذج من الشباب الذي يتعرض لمسح دماغ يصل به حد احتقار والديه وكل من يوجهون له نصحا أو يحاولون توعيته بحقائق الحياة وجوهر التدين هو نموذج كان ومايزال متكررا ومنتشرا في مجتمعاتنا. وهو نموذج نمطي للفرد الإمعة الذي تمت تنشئته بالتلقين وترديد المقولات الجاهزة المعلبة وتنفيذ أوامر وتعليمات من يملكون قياده الفكري دون مراجعة وبصرف النظر عن أبعادها ونتائجها ومدى إضرارها بالنفس والمجتمع. ومثل هذا من يرتدي الحزام الناسف أو يزرع المتفجرات فيهلك نفسه والأبرياء ويتحول وبالا على أهله ومجتمعه وأهل ملته دون أن يراوده أي إحساس بالخطأ أو تأنيب الضمير طالما أن هناك من يقولون له إنه في سبيل الله وأن ما يحول بينه وبين الارتماء في أحضان الحور العين في جنات النعيم هو مجرد الموت .. ولذلك قبل أن نتحدث عن تواجد هذه الفئة من الشباب في مواقع الاصطدام والفوضى علينا أن نتأكد من مواقع تواجدها أصلا في مجتمعاتنا ونتتبع حواضنها الفكرية والتربوية في المدارس والجوامع والمعسكرات الصيفية والرحلات الخلوية لتفكيكها وتصحيح عقيدة من سقطوا في براثنها ومحاسبة من يقف خلف تنظيمها وتمويلها حسابا عسيرا.. وباختصار: علينا أن نتعامل مع الجلادين بدلا من مطاردة الضحايا.

المصدر: صحيفة عكاظ

-- علي بن حسن التواتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*