الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عن مركز الحوار بين المذاهب الإسلامية في الرياض

عن مركز الحوار بين المذاهب الإسلامية في الرياض

تحدثنا الأسبوع الماضي عن بعض بنود ميثاق مكة وتوقفنا عند خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في المؤتمر ومقترح إنشاء مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية والذي تبناه الإعلان الختامي للوصول إلى كلمة سواء، 

واقترح المجتمعون على أن يكون مقر المركز في الرياض في السعودية، ويعني أعضاؤه من مؤتمر القمة الإسلامية باقتراح من الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي. 

ولا يمكن لأحد أن يتجاهل دور الحوار في بناء القطر الواحد والبيت العربي المشترك والبيت الإسلامي الواحد وبناء الأسرة الإنسانية الواحدة، ولقد خصصنا لهذا الموضوع مقالات عدة في هذه الجريدة الغراء وقلنا في مقالتنا بتاريخ (16-08-2012) “إن نشوء المذاهب أكبر دليل على قيام الإسلام على ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف والتعددية الفكرية” 

فما المراد بالمذهب؟ إن المذهب في الأصل مفعل من الذهاب، وهو لغة: الطريق ومكان الذهاب، فعندما يقول الإنسان ذهب قوم من الناس مذاهب مختلفة، أي ساروا في طرائق مختلفة، وذهب فلان مذهبه أي سار في طريقه ولهذا سار عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة في مختلف أحكامه الاقتصادية. 

وفي شرح الزرقاني على شرح اللقاني للمختصر “نجد أن عند المتأخرين من أئمة المذاهب، يطلق على ما به الفتوى، فيقولون المذهب في المسألة كذا من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كقوله صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة)، لأن ذلك هو الأهم عند الفقيه المقلد)…) ووجه المناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه أن تلك المسائل تشبه الطريق، ولذا يعبر عنهما”، فيقال مثلا طريق أبي حنيفة وطريقته، كما يقال مذهب أبي حنيفة، ويقول هذا منقولا عن اسم المكان.. وللدكتور عمر الجيدي كتاب مختصر سماه محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، استقصى في مقدمة كتابه المراد بالمذهب حيث أورد أنه بهذا المعنى لم يكن موجودا ولا معروفا بين المسلمين في عصر الأئمة -أصحاب المذاهب-، فمالك مثلا وغيره من أئمة الاجتهاد لم يكونوا يعرفون معنى المذاهب، وإنما كانوا ينشرون علم السنة وفقه الصحابة والتابعين ولذا قيل إن نسبة المذهب إلى صاحبه لا تخلو من تسامح، فما كان أحد من الأئمة يدعون كل الناس إلى التشبث بمنهجهم في الاجتهاد، إنما كانوا يتبعون منهج من سبقهم من علماء التابعين، وهؤلاء من الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يحدث هذا إلا في القرن الرابع الهجري، عندما دعت الضرورة إلى ذلك، ولم تكن استقرت على رأس المائة الثالثة رغم ما قيل من أنه في هذا التاريخ، كما جاء في كتاب اختلاف الفقهاء لابن جرير الطبري، كان قد بطل نحو من خمسمائة مذهب وإن كانت بذرة المذاهب قد بدأت قبل هذا العصر بزمان، إذ كان أهل المدينة يعتمدون على فتاوى ابن عمر، وأهل مكة على فتاوى ابن عباس، وأهل الكوفة على فتاوى ابن مسعود، فكان هذا أول تجذير لأصل التمذهب بالمذاهب. 

ومن الفقهاء الذين قلدهم الناس، ودونت المؤلفات في جمع أقوالهم واَرائهم وقلدهم الأصحاب والأتباع، أبو حنيفة النعمان (ت 151 ه)، أبو عمر الأوزاعي (ت 157 ه)، سفيان الثوري (ت 161 ه)، مالك بن أنس (ت 179 ه)، الليث بن سعد (ت 175 ه)، سفيان بن عينية (ت 198 ه)، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 ه)، الإمام احمد بن حنبل (ت 241 ه)، داود الظاهري (ت 270 ه)، ابن جرير الطبري (ت 310 ه)… وغيرهم؛ إلا أن بعض هذه المذاهب بدأت تندثر مع مرور الزمن لقلة الأصحاب والأتباع ولم يكن البقاء إلا للقليل منها واشتهرت في الأمصار مذاهب أربعة قلدها جل المسلمين: المذهب الحنفي، المذهب المالكي، المذهب الشافعي والمذهب الحنبلي حيث كان تعلق الناس بها شديدا جدا، وقصدوها في الفتاوى والمعاملات؛ ولكن الأئمة مع ذلك كانوا بعيدين كل البعد عن التشبث بالرأي الواحد، فما هم إلا بشر والبشر معرضون للخطأ والنسيان وما هم برسل. 

فلقد روى الحاكم البيقهي عن الشافعي رضي الله عنه أنه كان يقول: “إذا صح الحديث فهو مذهبي”، وكان مالك رضي الله عنه يوصي طلابه وأتباعه بأن ينظروا في كلامه فما وافق كتاب الله وسنة رسوله أخذوا به وإلا ردوه، كما كان يقول “ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وفي رواية أخرى للإمام الشافعي: “إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث واضربوا بكلامي الحائط”، وقال يوما للمزني: “يا إبراهيم لا تقلدني في كل ما أقول، وانظر في ذلك بنفسك…” ويمكن الرجوع إلى هذه الأقوال في كتاب “حجة الله البالغة لولي الله الدهلوي”؛ وكان سعد بن حنبل رضي الله عنه يقول: “ليس لأحد مع الله ورسوله كلام”، وقال أيضا لرجل “لا تقلدني ولا تقلدن مالكا ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم، وخذ الأحكام من حيث أخذوا” (ويمكن الرجوع إلى هذه الأقوال إلى كتاب أعلام الموقعين للحافظ بن القيم الجوزية). 

وهذه قمة في التسامح وقمة في الاعتراف بالنقص وقمة في الأخذ بكلام الآخر إذا كانت حجته أقوى… ثم هذه اختلافات مذهبية فقهية كانت خيرا وبركة على الأمة الإسلامية لأن اختلاف الأمة الإسلامية رحمة؛ ثم كانت هناك مذاهب سياسية كان لها مظهر عملي، احتدم أوار الخلاف بينها أحيانا وكلها كانت تدور حول الخلافة وهي الإمامة الكبرى؛ وكانت هناك مذاهب اعتقادية لم تتعد الخلاف النظري في الكثير من الأحيان. 

حاصل القول : إنه من الحقائق الثابتة في تاريخ الأمة الإسلامية وتاريخ البشرية أن الناس مختلفون في تفكيرهم؛ فالإنسان كما يقول الإمام محمد أبو زهرة من وقت نشأته أخذ ينظر نظرات فلسفية إلى الكون فلابد أن نقول إن الصور والأسئلة التي تثيرها تلك النظرات تختلف في الناس باختلاف ما تقع عليه أنظارهم وما يثير إعجابهم، وكلما خطا الإنسان خطوات في سبيل المدنية والحضارات، اتسعت فرجات الخلاف حتى تولدت من هذا الاختلاف المذاهب الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة؛ ولقد قال أفلاطون: “إن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه ولا أخطأوه في كل وجوهه، بل أصاب كل إنسان جهة، ومثال ذلك عميان انطلقوا إلى فيل وأخذ كل منهم جارحة منه فجسها بيده، ومثلها في نفسه، فأخبر الذي مس الرجل أن خلقة الفيل طويلة مستديرة شبيهة بأصل الشجرة، وأخبر الذي مس الظهر أن خلقته تشبه الهضبة العالية والرابية المرتفعة، وأخبر الذي مس أذنه أنه منبسط دقيق يطويه وينشره، فكل واحد منهم قد أدى بعض ما أدرك، وكل يكذب صاحبه، ويدعي عليه الخطأ والجهل، فما يصفه من خلق الفيل فانظر إلى الصدق كيف جمعهم، وانظر إلى الكذب والخطأ كيف دخل عليهم حتى فرقهم…وسيصدقني قراءنا الأعزاء إنه كثيرا ما يكون الاختلاف لا لشدة أو غموض الموضوع في ذاته، بل لأن المختلفين للأسف لم يعرفوا وجهة نظر الآخرين، واختلف نظرهما في الموضوع الواحد، ولذلك كان سقراط يقول: (إذا عرف موضوع النزاع، بطل كل نزاع)؛ ومن هنا أهمية مركز الحوار بين المذاهب الإسلامية المزمع إنشاؤه في الرياض، و(للحديث بقية). 

———————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*