الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأحزاب والجرائم الإنسانية

الأحزاب والجرائم الإنسانية

طوال الشهر الفائت وأنا أقرأ في تاريخ حزب البعث العربي، وكيفية تشكلاته السياسية والثقافية، وتحكمه بزمام السلطة في العراق وسوريا، وذلك من خلال كتابات مؤسس الحزب الأشهر / ميشيل عفلق في مجلدات جمعت مقالاته وخطاباته القومية والسياسية / في سبيل البعث.

ولعل البدايات الأولى لحزب البعث لم تكن كما هي في نهاياته التي نشهدها اليوم، والتي تظهر وجه القبح والجريمة الانسانية التي مارسها ولايزال فرخ الحزب الأصغر بشار الأسد. وليس في هذا تنقية لكل أعمال الحزب منذ بداياته، بل كان حافظ الأسد/الأب بمثابة الأسد الذي التهم خراف الحزب ومؤسسيه وأساتذته، وقام بتصفية العديد من مخالفيه ليستبد هو بزمام الأمر، ويستحوذ على قوة ايرانية مفتوحة جراء وقوفه الخفي آنذاك في انجاح الثورة الإيرانية الخمينية ضد حكم الشاه.

صحيح أن ميشيل عفلق وأقرانه من المؤسسين كانوا على درجة تعليم عالية، وقد كانوا درسوا في أرقى الجامعات الفرنسية، وكان ميشيل عفلق صاحب محاولات في كتابة الشعر، وكان متأثراً بالمدرسة الألمانية في نظريات الفنون والجمال، وكان يبشر بالعدالة والحرية والمساواة والاهتمام بالطبقات الاجتماعية وحقوق الانسان، إلا أن ذلك لم يكن من قبل البعثيين سوى مجرد نظريات وشعارات، وجرائمهم ضد الانسانية في العراق وسوريا تشهد على ذلك.

لعل ميشيل عفلق كان حالماً ومتأثرا بالفلسفة الإيطالية الثورية التي حاول أن يستنبتها في الوطن العربي ممثلة في حزب البعث ، وإلى حد ما نجح في التأسيس ولم ينجح في قطف الثمرة، حتى ما طرد عنوة من دمشق وصار يتردد في المنافي بين العراق وبيروت وباريس وينكر ما صار عليه حزب البعث.

ويعد التراث من أهم المرتكزات التي انطلق منها ميشيل عفلق في تأسيس الحزب، وهذه النظرة للتراث تقوم على مصطلحات الثورة والنضال والوحدوية، بمعنى أن عفلق قدم رؤيته للتراث من خلال الاسقاط السياسي المعاصر، وتبرير الأعمال المعاصرة للحزب بناءً على منطلقات عربية قديمة، وهذه الرؤية هي رؤية ذكية يراد منها تأسيس للسلطة على كافة المستويات تتحكم في العقل العربي والانسان العربي، وتأسيس السلطة غالباً ما يأخذ منحى العنف والإقصاء لكل المخالفين الذين يخالفون الحقيقة التي صنعها البعث وصدقها وجعل يحارب ويناضل من أجلها، وما أكثر الشخصيات التي جرى عليها سيف التصفية الجسدية من قبل البعثيين ليس في دمشق والعراق، بل امتدت أياديهم إلى دول أوروبا وقتلوا عدداً من المفكرين والمثقفين، ولم تكن نهاية تصفياتهم ما عمله حافظ الأسد في مجزرة حماة عام 1982م بل امتدت لتشمل شخصيات وشعوبا في لبنان وإيران ودول المنطقة العربية.

ولعل هذا يكون مدعاة لكل الأجيال الشابة أن تقف موقفاً واعياً ضد الأفكار الحزبية المعسولة التي لا تريد إلا الصعود على أكتاف البسطاء والفقراء والمبدعين من الشعوب العربية.

المصدر: جريدة اليوم

-- د.سمير الضامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*