الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مراحل الحوار بين المذاهب الإسلامية

مراحل الحوار بين المذاهب الإسلامية

مما لا شك فيه أن العالم الإسلامي على اختلاف طوائفه ومذاهبه كان وما زال وسوف يظل بحاجة ماسة إلى الحوار البناء الذي يخرجه من متاهة الفرقة والتشرذم، وذلك من أجل الوصول إلى حد أدنى من التوافق على الأقل، ومنع الانقسام وقبل ذلك وبعده إخماد روح الفتنة في مهدها قبل أن تتحول إلى مواجهة.

ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله – باقتراح إنشاء مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية والتي تبناها مؤتمر القمة الإسلامي الاستثنائي الرابع في مكة المكرمة في شهر رمضان (1433ه) وذلك إدراكاً منه – حفظه الله – أن الحوار هو السبيل الأمثل لحل المشاكل والاختلافات العالقة والسابقة والمستقبلية، وأنه الوسيلة الأنجع للم الشمل وتجميد الاختلافات وحلها وتفعيل التوافق وتطويره.

إن الحوار هو أهم وسيلة لإقناع طرفين مختلفين بوجهة نظر تجمع ولا تفرق بينهما، وهذا الأمر يتطلب شروطاً ومواصفات تتعلق بلغة الحوار وأساليبه فخير الكلام ما قل ودل وتتعلق بالاحترام المتبادل ما يساعد على خلق روح الثقة بين الطرفين واطمئنانهما إلى بعضهما، ناهيك عن أن الحوار يجب أن يكون عقلانياً

نعم من الطبيعي جداً أن يختلف الناس في وجهات النظر وأن يتباينوا في الآراء والأفكار، ناهيك عن المعتقدات والثقافات، وهذا الأمر يؤيده واقع الحال في مشارق الأرض ومغاربها. إن هذا التنوع لا ينطوي على خطأ منهجي؛ فالاختلاف سنة الحياة وجزء لا يتجزأ من كينونتها ومسيرتها.

وهذا يعني أن اختلاف الناس ليس ممقوتاً ولكن الممقوت هو الإصرار على الخطأ. ولعل من أهم عوامل الاختلاف ما يكتنف الحياة من تقلبات وتغيرات تؤدي إلى اجتهادات وهذا بالطبع يؤدي إلى اختلافات في الرأي والأفكار وحتى المعتقدات وما يترتب على ذلك من حلول.. ومن الطبيعي أن يتم اللجوء إلى العقل والمنطق لحل الاختلافات متى نشأت. وذلك أن العقل والمنطق السليم يدلان على الحق لأنهما نتاج الفطرة، والحق أولى أن يتبع. والوسيلة المثلى للوصول إلى ذلك هي الحوار العقلاني المجرد من الأهواء وحب الظهور والمواقف المسبقة ويسانده لجم التطرف من الجانبين المتحاورين وعدم إساءة أي طرف للطرف الآخر بقول أو فعل أي أن الحوار يحتاج إلى اتباع قواعد البحث العلمي في الاستقراء والاستنتاج من أجل تحديد نقاط الاختلاف وتحييدها وتحديد نقاط الاتفاق وتفعيلها وكل ذلك بالتي هي أحسن.

إن الحوار فن من فنون التفاهم وتبادل الأفكار والآراء، وهو منهج الأنبياء والمصلحين والمفكرين والمربين ورواد الوحدة والاتفاق؛ لذلك فهو وسيلة من ينشد الحقيقة ويسعى لتعميمها بين الناس من خلال استخدامها في الدعوة والإرشاد..

إن الجاهل وقليل العلم ليس مؤهلاً لأن يتصدى للحوار لأنه يفتقد الأركان الأساسية لهذا العمل الجليل وهي العلم وأبعاد وانعكاسات وفضائيات مداخلاته ناهيك عن مخرجاته؛ لأن الحوار بغير علم يقود إلى ما لا تحمد عقباه من مزيد من الفرقة ومزيد من التحزب ودافع رئيسي لكي يتمسك كلّ طرف برأيه. ولهذا يجب أن لا يتصدى للحوار إلا أولو العلم من الرجال والنساء.

ومن هذا المنطلق يجب على أتباع المذاهب الإسلامية لجم الجهلة الذين يكرسون الانقسام والاحقاد من خلال النعيق والسموم التي يبثونها من خلال بعض الفضائيات والإنترنت والفيس بوك والتويتر وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلامي وذلك كخطوة أولى قبل بدء أي حوار.

إن عالم اليوم على اختلاف شعوبه وثقافاته وأعراقه ودياناته يلجأ اليوم إلى لغة الحوار من أجل حل كثير من المشاكل العالقة على جميع الصعد، ولا يكدر ذلك التوجه إلا أصحاب النفوس المريضة التي لا ترضى إلا بدماء الآخر. وخير من يمثله الصهيونية العالمية وربيبتها إسرائيل.

إن انتباه العالم لأهمية الحوار في حل إفرازات الاختلاف في مجال القيم والثقافة والسياسة والاقتصاد بين مكونات الأمة الواحدة أو بين الشعوب المختلفة أدى إلى خلق كيانات وحدوية مثل الاتحاد الأوروبي، أو خلق كيانات تعاونية مثل منظمة جنوب شرق آسيا (آسيان) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة البلدان الأمريكية ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرها.

إن العولمة والبث الفضائي المباشر لعبا ويلعبان دوراً بارزاً في كلّ من الفرقة والاتفاق فلكل منهما حدان أحدهما نافع، والآخر ضار وكذلك جميع مكونات الحياة بما في ذلك اللسان والقلم.

إن البث الفضائي والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم من أكبر وسائل التأجيج وبث روح الاختلاف وشق الصفوف وذلك من خلال استخدام تلك الوسائل بصورة غير رشيدة من قبل جهلة أو حاقدين لا يعرفون انعكاسات السم الزعاف الذي ينفثونه أو أنهم يفعلون ذلك عن سبق إصرار وترصد.

إن منطقتنا العربية والإسلامية تحظى بالنصيب الأكبر من هذا السم الزعاف والهدف منه خلق استقطاب طائفي يسعى الجهلة والمغرضون إلى إشعال فتيله من حيث يدرون ولايدرون تساندهم في ذلك وسائل إعلام مأجورة أو مغرضة. وهذا كله مدعاة للحوار البناء المدعوم بوسائل إعلام نزيهة تعتمد على حفظ الكرامة والمساواة والعدل للجميع. ذلك أن الحوار هو إحدى الظواهر الايجابية للعصر الحديث في جميع الميادين؛لأنه يؤدي إلى خلق قيم معرفية جديدة ومتجددة تعتمد على تلاقي وتلاقح الأفكار وتبادل الآراء وتداول التجارب والخبرات وهذا هو السبيل الأمثل لتبديد ظلام العزلة والانكفاء على الذات التي لم يبق لها مكان في عالم اليوم الذي اتخذ من الصدق منهجاً، ومن الشفافية أسلوباً ومن المصلحة غاية لتحقيق الأمن والسلم والاستقرار والنمو والعيش الرغِد.

إن الحوار هو أهم وسيلة لإقناع طرفين مختلفين بوجهة نظر تجمع ولا تفرق بينهما، وهذا الأمر يتطلب شروطاً ومواصفات تتعلق بلغة الحوار وأساليبه فخير الكلام ما قل ودل وتتعلق بالاحترام المتبادل ما يساعد على خلق روح الثقة بين الطرفين واطمئنانهما إلى بعضهما، ناهيك عن أن الحوار يجب أن يكون عقلانياً بعيداً عن العاطفة وأن يقوم به ذوو اختصاص وباع طويل بالحوار وأساليبه؛ لأن تحقق تلك الشروط يقود المتحاورين الصادقين إلى التوافق وبالتالي الاتفاق.

إن الدين الإسلامي دين الفطرة فكل ما فيه من تشريعات وأوامر ونواه تتوافق مع فطرة الإنسان التي خلقه الله عليها. ومن مقتضيات ذلك أن تتم إزالة كل ما يحول بين تشريعات الإسلام والفطرة السليمة من معوقات ومعتقدات وهذا من مكارم الأخلاق.

ومكارم الأخلاق تدعو للوئام والانسجام والبعد عن التحزب والاستقطاب المذموم لأن هذه الأفعال فيها شق لعصا الوحدة الوطنية على مستوى الأمة ككل، وعلى مستوى كل دولة. وشق عصا الوحدة الوطنية فيه خدمة للعدو الخارجي فهو الذي يشجعها وينتظرها بفارغ الصبر ولهذا تجده يرقص فرحاً وطرباً لكل بادرة شقاق أو عدم اتفاق. وما الهجمة الصهيونية المبرمجة ضد ديار الإسلام وأهلها إلا نتيجة حتمية لتباعد طوائف الإسلام ومذاهبه عن بعضها البعض، وبروز الاستقطاب والعداء بينها بتحريض من ذلك العدو الذي يكن الكره والحقد لجميع مذاهب الإسلام وطوائفه دون تمييز. فهل تجد أمة الإسلام طريقها إلى الحوار الذي دعا إليه ملك الحوار – حفظه الله – وتفوت الفرصة على من يريد تدمير أمة الإسلام عن طريق الاقتتال بين طوائفه ومذاهبه؟

إن بوادر الصراع المسلح بين السنة والشيعة في بعض الأقطار الإسلامية مثل العراق وباكستان، وبذور الاستقطاب في بعض دول الخليج ولبنان ومحاولة تحويل الصراع في سوريا نحو ذلك الاتجاه تُدعم بصورة مباشرة وغير مباشرة من قبل إسرائيل والقوى المعاضدة لها؛ لأن هذا هو السبيل الأمثل لتفتيت دول الشرق الأوسط إلى كانتونات تأتمر بما تمليه عليها تل أبيب بالإضافة إلى جعل تلك الكانتونات ذات مذاهب متصارعة لضمان استقرار إسرائيل وتمتعها بأسواق المنطقة وثرواتها وعمالتها. فهل نعطيهم الفرصة أم نرقى فوق اختلافاتنا ونحمي أنفسنا وأوطاننا ومكتسباتنا من خلال التواؤم بين مذاهب الإسلام المختلفة؟

إن المتطرفين والجهلاء والعملاء والمأجورين والحاقدين وأصحاب النظرة الضيفة والأغبياء لا زالوا يلعبون بالنار، ويضربون على وتر الاختلاف والفرقة لصالح أطراف خارجية لا يخطئ تحديدها ومعرفتها إلا أعمى بصر وبصيرة، وذلك في مقابل مكاسب شخصية مؤقتة وعلى حساب العامة الذين يتم التلاعب بعواطفهم ومن ثم بمقدراتهم ومستقبلهم وهم من سوف يعض أصابع الندم إذا تمكن هذا العدو أو ذاك من اختراق أوطانهم.

واسألوا أهل العراق سنة وشيعة عن حالهم الآن هل هي أفضل بعد أن وصل الحاكمون هناك على ظهور الدبابات الأمريكية وبعد أن شبت نار الفتنة والاقتتال والتفجير لتلحق الأذى والموت بجميع شرائح الشعب العراقي الواحد الذي كان يضرب به المثل في التواؤم والتقارب بين المذاهب العديدة المكوّنه له؛ حيث كانت السنة والشيعة والصابئة والأشورية والمسيحية وغيرها من المذاهب تتعايش وتتجاور وتتعاون وربما تتزاوج في وئام لا يكدر صفوه أحد، أم أنهم اليوم يبكون على عهد صدام حسين رغم طغيانه وتجبره؟ وفي ذلك يقول الشاعر:

ربّ دهرٍ غضبت منه فلما

صرتُ في غيره بكيت عليه

إن ما يحدث من ملاسنة وشتم وتسفيه وتكفير وتحزب واستقطاب وتدخلات في شؤون بعضهم البعض، والحث على عدم الاستقرار والخروج على الشرعية كلها تشير إلى أن هناك من يعد المسرح لحرب واقتتال بين أبناء الإسلام وذلك لصالح طرف ثالث يسعى بكل ما أوتي من قدرات وجهود ومعرفة لإشعال حرب طائفية وفي ذلك يقول الشاعر:

أرى خللَ الرماد وميضَ نار

ويوشك أن يكون لها ضرامُ

فإن النار بالعودين تُذكى

وإن الحرب أولها الكلامُ

نعم إن الملك عبدالله – حفظه الله – يدعو أمة الإسلام اليوم إلى الارتقاء فوق الاختلاف من خلال الحوار الذي سوف يديره مركز الحوار بين المذاهب الإسلامية الذي سوف يكون من أولوياته التقريب والتواؤم والتعايش بين تلك المذاهب وليس إلغاءها.

إن التواؤم بين مذاهب الإسلام وفرقه، والتعايش بينها في مودة واحترام يتطلب أن يتم الحوار على مراحل. كل مرحلة تؤسس للمرحلة التي تليها وذلك وفق:

* الحوار بين الحكومات لحل الخلافات السياسية والحدودية ومنع تدخل البعض في شؤون البعض الآخر، وخلق مصالح مشتركة تؤيد وتثبت مثل ذلك الاتفاق.

* منع الحملات الإعلامية بصورة قطعية سواء أكانت رسمية أم حزبية أم دعوية أم خطابية.

* لجم الجهلاء من جميع الأطراف من استخدام وسائل الإعلام أو الاتصال مثل الإنترنت والتويتر وحتى الفضائيات والتخبط والخوض فيما لا يعنيهم. واعتبار أن ما يقوم به هؤلاء هو بث لروح الفرقة والتناحر وبالتالي جريمة يعاقب عليها القانون.

* بدء الحوار بين العلماء المتخصصين المتنورين من الأطراف ذات العلاقة من أجل تحديد نقاط الاختلاف وتحييدها، وتحديد نقاط الاتفاق وتفعيلها؛ بحيث تصبح نقاط الاختلاف حصراً على أصحابها ومنع إشاعتها إعلامياً لتحجيم آثارها، ونشر أوجه الاتفاق وإشهارها لزرع الثقة بين الأطراف المختلفة.

* فهم أن الاختلاف القائم لايمكن القضاء عليه لا بالبراهين، ولا بالحجج مهما عظمت ولذلك يجب أن يكون الهدف من الحوار هو السعي إلى التقارب والتعايش والتواؤم على قاعدة قوله تعالى (لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) المائدة 48.

وقوله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) هود 118.

إن حسن النوايا واستشعار الخطر وإدراك مقاصد أعداء أمة الاسلام من أهم أسباب الاقبال على الحوار بصدق توجه والتزام.

يا أمة الإسلام اعملوا من أجل غد مشرق عزيز، وأمة إسلامية موحدة تحمي ولا تفرط، توحد ولا تفرق، تتواءم ولا تتقاتل، تتحاور ولا تختلف.

والله المستعان.

—————

نقلاً عن الرياض

-- د. حمد بن عبدالله اللحيدان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*