الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » السعودية: خلية “القاعدة” وكشف المتناقضين

السعودية: خلية “القاعدة” وكشف المتناقضين

أعلنت السعودية عن خليةٍ جديدةٍ لتنظيم القاعدة (أغسطس/آب 2012) وعرضت تفاصيلها بصور الموادّ المحظورة وأسماء المشاركين والمطلوبين، ولهذا الإعلان دلالاتٌ جديرةٌ بالقراءة والتحليل، كما له تأثيراتٌ وردود أفعالٍ تستحق التأمل.

لم ينته تنظيم القاعدة بل ضعف، ولكنّ ضعفه لا يعني انتهاءه بحالٍ، فقد أثبت هذا التنظيم عبر بنيته التنظيمية وعلاقاته الآيديولوجية وتطوّره التاريخي، أنّه قادرٌ على إعادة البناء والتأقلم، وعقد التحالفات ونقضها دولياً وإقليمياً، وآيديولوجياً ومالياً.

أمّا إعادة البناء والتأقلم فهي تظهر بوضوحٍ عبر رصد حركة المجاهدين المنظّمين منذ أفغانستان، ثم طاجيكستان ثم البوسنة والشيشان والصومال في الثمانينات والتسعينات، ثم استهداف السعودية في التسعينات، ثم إنشاء الجبهة العالمية، ثم تنظيم القاعدة كما عرفه الكثيرون لاحقاً.

أما عقد التحالفات ونقضها، فقد تحالفوا مع الدول الغربية وأميركا تحديداً، ثم عادوا لعدائها وتنفيذ هجمات نيويورك وبريطانيا وغيرها، وقد تحالفوا مع بعض الدول العربية في أفغانستان، ثم عادوا لمهاجمتها في عقر دارها، ومن ضمن ذلك عداؤهم للسعودية، حيث بدأوا التفجيرات بها في منتصف التسعينات، وفي ألفين وثلاثة وما بعدها، حيث خاضت السعودية حرباً ضروساً ضدّهم، ونجحت في تقزيمهم وطردهم خارج البلاد.

وإقليمياً، فقد كانوا يظهرون العداء لإيران وللنظام الليبي مثلاً، ولكنهم لم يلبثوا أن تحالفوا مع الطرفين، مع إيران في العراق واليمن، ومع النظام الليبي في بعض عمليات الاغتيال المشينة، التي ظهرت وقائعها لاحقاً.

أما آيديولوجياً ومالياً، فقد كانت تربط تنظيم القاعدة، علاقاتٌ وثيقةٌ بكثيرٍ من رموز الجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي والعربي وفي السعودية، وقد حاول بعض رموزهم استغلال هجومهم على السعودية، لتحصيل مكاسب سياسيةٍ كما فعل سفر الحوالي، ثم تبرأوا منهم حين قامت الدولة بمهمتها لحماية مواطنيها على أكمل وجهٍ من هذا الشرّ المستطير.

جدّت في العالم العربي أحداثٌ كبرى، أنست البعض خطورة تنظيم القاعدة وتاريخه الدامي وعلاقاته المعقدة، ويمكن للمتابع أن يذكر جيداً أن عدداً من رموز الإسلامويين السعوديين، تلكأ كثيراً في إدانة القاعدة، ولم يشارك في الحملة ضدّه، إلا بعد تأكده من خسارة هذا التنظيم.

وفي هذا السياق يمكن قياس ردّ فعل بعض رموزهم تجاه الإعلان عن هذه الخلية الخطرة، حيث كان أغلب هؤلاء قد انخرطوا في مناكفة الدولة، عبر ركوبهم الموجات الحديثة في العالم العربي كأحداث الثورات والاحتجاجات وشعارات الحقوق والحريات، وكرّسوا كثيراً من جهدهم للدفاع عن سجناء القاعدة الخطرين، باعتبارهم سجناء رأيٍ، وقد بهتوا من هذا الإعلان وشعر كثيرٌ منهم بالحرج من الدفاع عن أمن وطنه وإدانة الإرهاب، ولجأ بعضهم إلى الصمت السلبي وهو كان يرفع عقيرته بكل الحماسة لأحداثٍ تقع في بلدانٍ أخرى، يرى فيها نصراً لتياره، وهو يستخدم السكوت كعلامةٍ إن لم تكن على الدعم والموافقة فعلى الكيد والمناكفة.

ومالياً، فقد ورثت “القاعدة” عن تنظيمات العنف الديني المصرية، وصولاً لجماعة الإخوان المسلمين، آليات تطوير الحصول على الدعم المادي عبر التغلغل في العمل الخيري والاستفادة من موارده المادية الكبيرة، وقد واجهت دول العالم أجمع ومنها السعودية، هذا التحدّي بإعادة تنظيم القطاع الخيري الكبير بما يحجّم ويمنع وصول أي أموالٍ خيريةٍ لتنظيمٍ مخرّب مجرمٍ كـ”القاعدة”.

وفي خضم أحداث ما يسمّى بـ”الربيع العربي” عاد كثيرٌ من هؤلاء المتعاطفين والداعمين لتنظيم القاعدة للتعبير عن دعمهم له ولعناصره، عبر عمليات التشكيك والمزايدة، التشكيك في أي تنظيمٍ للعمل الخيري تقوم به الدولة، والمزايدة عليها في أي أحداثٍ فرضتها ظروف العالم العربي، وأبرز مثالٍ على هذا هو الحدث السوري، الذي سعوا من خلاله للمزايدة على الدولة في موقفها السياسي، الذي كان متقدماً عليهم، ثم في موقفها المالي، حيث سعوا لجمع تبرعاتٍ ماليةٍ في بيوتهم وأماكنهم دون أي رقابةٍ بنكيةٍ وماليةٍ، وشهّروا حينذاك بموقف الدولة حين منعتهم، ثم حين جاءت لحظة الدعم المنظّم والمنضبط عبر مؤسسات الدولة المالية والإعلامية استنكفوا ورفضوا وشككوا، وكأنهم يعبرون عن صفٍ خامس لـ”القاعدة”، عن صفٍ خلفيٍ يجيد التحايل ويعرف من أين تؤكل الكتف، وهم و”القاعدة” على مبدأ “ربنا استمتع بعضنا ببعض”.

لقد جاء هذا الإعلان عن هذه الخلية في وقته ليلقي أضواءً كاشفةً مهمةً على توجهات بعض التيارات والرموز التي فقدت توازنها في زمن الربيع الإخواني الجديد.

——————

(مجلة المجلة 29 أغسطس 2012)

-- بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*