الإثنين , 5 ديسمبر 2016

محاصرة الإرهاب

لماذا؟ ولماذا كبيرة؟ “لماذا” نقف دائما في خط الدفاع؟ ونبقى جميعا ندافع وندافع؟ لا أن نؤصّل لفكرنا من دون توجس وخوف؟ كثيرا ما تساءلنا “لماذا”؟ ولم نجد إجابة وافية: هو الإرهاب الذي يعطي كل الجراحات والمعاناة، فيأتي السؤال: هل لدينا في شرقنا كلّ هذه المافيات الإرهابية؟ هل عندنا، وفي تاريخنا كله، طفل يخرج ليقتل عشيرته ورفاقه؟ لماذا -مرة أخرى-؟ لماذا تتنامى وتتصاعد العمليات الإرهابية في عالمنا العربي والإسلامي؟ لماذا؟

الجواب وببساطة في كلمة واحدة هي “الأرض” لأن الأرض التي نقف عليها لم ندرسها جيدا من جذورها العميقة الممتدة في التربة المجتمعية، وبالمقابل تجد الآخرين يفكرون ويخططون، ويدرسون مذهبياتنا وعصبياتنا التي تفرّق وتمزّق، في الوقت الذي نحرم على أنفسنا أن نقرأ خططهم وتاريخهم وتفكيرهم تحت دعاوى “التغريب” ولأن مشكلتنا الرئيسة هي أننا نحدق دائماً في الشعارات ونتفنن في التبريرات، أصبحنا نحارب بانفعال ودون خطة. إن الانفعال قد يكون إيجابيا عندما يعطي للفكرة لهيبها، ولكنه يجب أن يكون جزءاً من الخطة، فنحن إذا درسنا كل تاريخ الهزائم لوجدنا أنها كانت تنطلق من اللاخطة. 

لا جدال في أن الأجهزة الأمنية حققت نجاحات متواصلة في مكافحة التنظيمات والخلايا الإرهابية، ولكن الجهاز الأمني يختصُّ فقط بمسألة الحماية، والسهر على أمن المواطن، ولا يمكن أن نحمله مسؤولية معالجة العقول المتحجرة والمصابة بداء التطرف والعنصرية التي تنطلق من نفوس مشحونة بالكراهية والعداء ضد الآخر المختلف، إنها قضية فكرية بالدرجة الأولى، وهي مسؤولية ملقاة في واقعها على عاتق الكُتاب والمشايخ والدعاة والمربين والمسؤولين في الأجهزة التنفيذية عن منابر التربية والتعليم والتوجيه والتثقيف والإعلام.

إننا بحاجة ماسة لاستنهاض فكري وثقافي وديني لمواجهة الإرهاب، حيث ما زالت بعض المنابر الدعوية تشحن قلوب شبابنا تجاه حضارة العصر، وكذلك المؤسسات التعليمية والإعلامية غير مفعلة كما ينبغي في التصدي لآفة التطرف والإرهاب، لتكون النتيجة النهائية هي أننا أسهمنا في خلق شخصيات متوجسة وخائفة تتصور بأن العالم كله يتربص بها.

لماذا الاكتفاء فقط بالحلول الأمنية؟ إنني أعتقد وبنظرة شمولية للمشهد أنه لا توجد عند كثير قناعة ووعي كامل بأن الإرهاب ثقافة متعشعشة في ذهنية الفرد العربي بدليل الطنطنة المستمرة بأن الإرهاب صناعة غربية، ولا أعلم هنا ما ذنب الأبرياء من الأطفال والنساء والبسطاء بذلك حتى يفجر الانتحاري نفسه؟ 

علينا الاعتراف بأن الإرهاب ولد من رحم مجتمعاتنا، وإن إخفاقنا في تحليل الظاهرة الإرهابية وردّها إلى عواملها الثقافية والفكرية والاجتماعية، هو الذي يمد في عمر الإرهاب ويضمن استمراره.

نعم التطرف موجود عند جميع شعوب الأرض، فقبل عدة أيام أصدرت المحكمة النرويجية حكما بالسجن 21 عاما على أحد رموز التطرف “أندريه بريفيك” لإدانته بارتكاب أعنف حدث في النرويج منذ الحرب العالمية الثانية في مجزرة راح ضحيتها 77 شخصا العام الماضي، حيث أوضح أن فعلته تلك هي للاحتجاج على سياسة الاندماج والتسامح والتنوع الثقافي لتدمير “الأصالة النرويجية”، الشعب النرويجي شعر بالصدمة من هذه الجريمة الإرهابية ولذلك قررت أكثر مؤسسات المجتمع المدني تكثيف برامج حقوقية وثقافية لمحاصرة الكراهية وتكثيف برامج التعايش الثقافي والتنوع والتعددية، النرويج كدولة تعد الأولى حقوقياً لكن كبار الحقوقيين يقولون إن هذه المجزرة أوقعتنا في صدام مع الذات لنكتشف بأنه علينا إعادة النظر في كل برامجنا السابقة.

———-

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- علي الشريمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*