السبت , 10 ديسمبر 2016

الإرهاب الخامل

الاعتراف بتبني هذا الفكر لدى مجموعة مُغرر بها من أبنائنا هو الخطوة الأولى لخلخلة بنائه الهلامي ، إضافة إلى ديمومة المتابعة الدقيقة لكل تحركات أعضائه حتى من عاد إلى رُشده منهم

لم تنتبنِي موجة الاستغراب جراء تمكن قوات الأمن من تفكيك خليتي إرهاب بالتزامن في كل من الرياض وجدة ؛ لإيماني التام بأن هذه الآفة المقيتة – الإرهاب – تعيش بخمول حذر يترقب لحظة الانطلاق ليُحقق أهدافه الدنيئة في تدمير كل مكتسبات ومُقدرات الوطن ، بحجج واهية لا تستند إلى منطق واع أو فعل ناضج ، بينما بنت رؤاها على تحقيق غاياتها عن طريق انتهاج لغة العنف كحل وحيد لإنهاء نزاعها مع أعدائها الوهميين التي افترضتها عقولهم الواهنة بالخوف من مقابلة الدليل بالدليل ، بل ارتهنوا لتصفية حساباتهم مع أبناء ملتهم أو المعاهدين بطريقة لا تُقرها شريعة ، ولم تدعُ لها فريعة .

ويعود عدم تفاجئي لأحداث تراكمية بدأت منذ فتنة الحرم المكي في مطلع عام 1400هـ ، وما أفرزته من أفكار عنفوانية أسست لمرحلة تنظيمية مستقبلية مارست التنفيذ في ميدان الجهاد المزعوم في أفغانستان ؛ مروراً بأحداث الحادي عشر من سبتمبر والذي تقول المصادر أن تسعة عشر سعودياً شاركوا في تنفيذها ناهيك عن التخطيط لها ، وتبعها نهر البارد في لبنان الذي شارك به شباب سعوديون ، وانتهاءً بمستنقع العراق وما صاحبه من تبعات كان كبش الفداء في كل ذلك هم شباب سعوديون تم تعبئتهم بمنهج التكفير للحكام والعلماء بل للمجتمع بأكمله ، فانطلقوا معتنقين هذه العقيدة غير السوية .

أما في الداخل فبدأت بوادر الصدام بموقف المتعالمين من مشروعية الاستعانة بالقوات الأمريكية في حرب تحرير الكويت ، وما تبعه من سلسلة التفجيرات التي وقعت في الخبر والرياض وجدة وغيرها ، والإعلان المُتكرر عن القبض عن عناصر من الفئة الضالة بين الفينة والأخرى ، ناهيك عن العديد من المخازن الممتلئة بالأسلحة بكافة أنواعها .

كل هذا التأريخ المدمر يدل دلالة أكيدة على وجود تنظيم سري متغلغل بين ظهرانينا بشكل لا يقبل المواربة ممتطياً – للأسف – صهوة الدين ستاراً لممارسة نزعاته العدوانية تجاه كل ما هو جميل في الحياة متجاهلين قول المولى عز وجل ” ولا تنس نصيبك من الدنيا ” ، ومعارضين المنهج الرباني في الدعوة إلى الله والمنصوص عليه في قوله تعالى : ” ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ” .

ومع اعتزازي بالضربات الاستباقية لقوات الأمن لأتباع هذا التنظيم ، إلا أنني أرى أن هناك حاجة أيضا لانتهاج الأسلوب الوقائي في التعامل معه من خلال البحث عن منابته وأماكن تكاثره وأرضه الخصبة الشبيهة بخضراء الدمن لما له من نتائج إيجابية على المدى الطويل والمتمثلة في وأد أفكاره في مهدها قبل أن تكون واقعاً مؤلماً نتجرعه علقماً يحرق قلوب الأمهات ، ويفطّر قلوب الآباء تحديداً ، ويرفع رصيد الكراهية المتنامي لنا كسعوديين عموماً ؛ خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار الخلايا الإرهابية التي يتم القبض عليها باستمرار عندنا .

إن تنامي إلقاء القبض على الخلايا النائمة لهذه الفئة الباغية يؤكد أن خمولها لا يُلغي خطورتها ، بل يمنحها عنصر الزمن فرصة أطول لقراءة الواقع بشكل أعمق ، ورسم استراتيجياتها بناءً على ذلك ، لذا فإن الاعتراف بتبني هذا الفكر لدى مجموعة مُغرر بها من أبنائنا هو الخطوة الأولى لخلخلة بنائه الهلامي ، إضافة إلى ضرورة ديمومة المتابعة الدقيقة لكل تحركات أعضائه حتى من عاد إلى رُشده منهم ، فهم معرضون للانحراف مرة أخرى ، لأن الأحداث المتراكمة أكدت عدم ثبات بعضهم على الطريق السوي بعد المناصحة ، بقدر ما كانت وسيلة للمراوغة ، وإعادة ترتيب أوضاعهم ، والعودة بحقد أكبر ومعنوية أفضل لممارسة هوايتهم العدائية التي تشربوها فكراً وتطبيقاً .

Zaer21@gmail.com

—————

نقلاً عن المدينة 

-- د. محمد عثمان الثبيتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*