الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » من هو المتطرِّف، وما هو علاجه؟

من هو المتطرِّف، وما هو علاجه؟

 

تتفشّى حالات تطرُّف بيننا نحن السعوديين في الإعلام الافتراضي، خاصة في تويتر، حيث يتقدم متطرِّفو كل تيار في قائمة المتابعين.. تطرُّف يبدأ بازدراء الآخر ثم المطالبة بإقصائه وينتهي بتخوينه وتكفيره، لمجرّد اختلاف وجهات النظر.. هناك أيضاً، متطرِّفون يزدهرون في كل أنحاء العالم.. 

متطرِّفون من قوميي أوربا، وعنصريي أمريكا، ومتطرِّفون دينيون في الشرق الأوسط.. ومتطرِّفون يزدهرون في كلِّ أنحاء المعمورة وفي كل الاتجاهات.. ومنذ سنين، يقول كبار المفكرين في العالم إنها حالة مؤقتة ستنتهي بانتهاء التأثير الانفعالي للمفاجأة العولمية أو لانتهاء الخلل في الأوضاع الاقتصادية. لكن حالة التطرُّف صارت مستمرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، مما يعني أنها أصبحت مشكلة عالمية مستديمة. فلماذا يزدهر التطرُّف في دول لا تعاني مشاكل اقتصادية؟ ولماذا يزدهر في زمن الانفتاح بين الدول والشعوب، في زمن يقال إنّ العالم أصبح قرية صغيرة؟ 

لكن من هو المتطرِّف؟ جرِّب واسأل أكبر متطرِّف تعرفه: هل أنت متطرِّف؟ الإجابة الأكيدة هي: حاشا وكلا! فالتطرُّف مصطلح خارجي (Exonymic) بمعنى أنه يطلق من الآخرين، لأنه ذو معنى تنفيري وازدرائي، فلا توجد جماعة أو فرد يطلق على نفسه متطرِّف.. إذن، ما هو التطرُّف؟ هو في القاموس التقليدي أيّة إيديولوجية أو حركة سياسية بعيدة جداً عن السياق السياسي والفكري العام في المجتمع، وتعادي كل من يخالفها. وقد لا يدعو المتطرِّفون للعنف المادي، لكن أفكارهم تحرِّض على الاعتداء، أو تطالب بحجب الحقوق عن الآخرين أو الأقليات لمجرّد الاختلاف في الرأي والمصالح، مثل القوانين التي يطالب بها المتطرِّفون القوميون في أوربا ضد المهاجرين، ومثلما يطالب بعض المتطرِّفين لدينا بحجب حق التعبير للمخالفين أو محاكمتهم. 

وإذا كانت الأشياء تعرَّف بأضدادها، فالتطرُّف نقيض الاعتدال، وهو يوجد في كل الإيديولوجيات السياسية كاليمين المتطرِّف أو اليسار المتطرِّف، وفي كل الأديان والمذاهب، وليس التطرُّف السياسي منوطاً بأقصى اليمين أو اليسار، فهناك تطرُّف المحافظ الوسطي الذي لا يرى أية حقوق حرية لمن هم خارج التيار الوسطي العام للمجتمع.. بل ثمة تطرُّف حتى بين ناشطي حماة البيئة والرفق بالحيوان، فهناك من يقوم بتفجير معامل علمية تقوم بالتجريب على الحيوانات أو إنتاج مواد كيماوية.. 

من كل ذلك نجد أنّ التطرُّف مصطلح يصعب تحديده فهو متغيّر بتغيُّر الحالات؛ فالفكرة التي كانت متطرِّفة عند الأكثرية هي مقبولة عند الأقلية، وما يشكل تطرُّفاً فكرياً في مجتمع قد يبدو اعتدالاً في مجتمع آخر، مثل درجات الحرية والمحافظة والتديُّن. لذا يعد “التطرُّف” مصطلحاً سياسياً ذاتياً أكثر من كونه موضوعياً، لأنك لا تستطيع أن تحدِّد معالم موضوعية واضحة فيه. كما أنك لا تستطيع أن تحدِّد متى يبدأ التطرُّف.. فهو يمتد من مجرّد أفكار وهواجس نسبية التطرّف إلى أفكار الجماعات المتشدّدة جداً. ورغم ذلك، ورغم اختلاف أنواع التطرُّف واختلاف درجاته، فإنّ السمة الأساسية للتطرُّف، والمشتركة بين المتطرِّفين هي الموقف العدائي تجاه المخالفين. فليست مشكلة المتطرّف في إيمانه المطلق بقناعات معيّنة بل في تهديده للمخالفين من أفراد وجماعات ودول. 

ما الذي يجعل الإنسان متطرّفاً؟ يُربط التطرّف بشكل تلقائي مع سوء الأوضاع خاصة الاقتصادية، لكن الدراسات الأخيرة أثبتت أنّ هذه المشكلة مرتبطة بالثقافة أكثر من الاقتصاد. فالخوف من تهديد الثقافات الجديدة للمهاجرين على الهوية الوطنية ونمط المعيشة كان هو الدافع الحاسم في انتشار وشعبية الأحزاب القومية المتطرّفة في أوربا، وليس سوء الأوضاع الاقتصادية أو الانزعاج من منافسة المهاجرين على الوظائف (حسب تقرير مركز شاتام، 2012م). وتوضح إحدى الدراسات أنه باختبار العوامل التي تؤثر في موقف العموم من المهاجرين، وجدت أنّ القلق على الوحدة الثقافية للبلد كان تسعة أضعاف حجم القلق من الجريمة، وخمسة أضعاف القلق على الاقتصاد القومي (Ford الجزيرة Goodwin, 2010). فأساس التطرُّف، هنا، خوف على الهوية في زمن العولمة، حيث تتداخل الدول والمجتمعات وثقافاتها، محدثة تنوُّعاً ثقافياً وعرقياً يهدد الثقافات المحلية.. 

من الناحية النفسية، تذكر الدراسات الكلاسيكية أنّ التطرُّف يشكِّل متنفساً لمشاعر عاطفية حادة ناجمة عن الحالات المستمرة من الشعور بالظلم والخسارة وانعدام الأمن والإذلال والاستياء والغضب، مما يفترض أن تؤدي بالأفراد والجماعات إلى الدخول في صراع مع الآخرين، يوازن أو يتفق مع تلك الحالات العاطفية الحادة (كولمان وبارتولي)، بينما يراها آخرون لعبة عقلانية للاستحواذ على السلطة (بيرمان). 

ما هو علاج التطرُّف؟ تطرح الدراسات الأخيرة مجموعة من الاستراتيجيات لمواجهة التطرُّف تختلف باختلاف نوع التطرُّف والمجتمعات. من أهمها أنّ على المعتدلين من أصحاب القرار والسياسيين والحركات الرئيسية في المجتمع أن تخفف من نخبويتها، وتقترب من الناس، فأهم مميّزات الحركات المتطرِّفة هي الاتصال المباشر مع الناس وخطابها الشعبوي الذي يدغدغ المشاعر الوطنية والدينية، إضافة لخبرتها التنظيمية وقدراتها التعبوية التي تراكمت خلال العقود الثلاثة الماضية.. تقول إحدى الدراسات: “من أجل الفوز بقلوب وعقول الناس، فعلى المؤسسات الرئيسية في البلد أن تكون جزءاً من المجتمع وتشارك في نشاطات مباشرة (وجهاً لوجه) وتوطد روابط قوية داخل الجماعات المحلية والمنتديات العامة .. (JRCT الجزيرة Chatham House, 2012). 

كما تطرح الدراسة السابقة عملية التواصل والحوار بين الجماعات المختلفة والفرقاء المحتقنين، خاصة بين الأكثرية والأقلية، لمعالجة الأزمات الرئيسية بدلاً من تركها للجماعات المتطرّفة. وتوضح الدراسة أنّ كمية كبيرة من الأبحاث أثبتت فاعلية هذه الطريقة في النفسية الاجتماعية، وأنّ زيادة الاتصال المباشر بين الجماعات المختلفة خففت الأحكام المسبقة وهواجس الخوف من الآخر وزادت من درجة التسامح فيما بينها. وهنا يأتي دور النُّخب المثقفة والنشطاء والمؤسسات التطوعية من الجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني لتشكِّل وسيطاً بين الجماعات المتطرّفة المتناحرة.. 

ولأنّ المسألة أصبحت مستديمة، فقد أقيمت مراكز علمية في الغرب لدراسة التطرّف واقتراح أفضل الطرق لمواجهته. ولدينا هنا في المملكة مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله الشهر الماضي من أجل تأسيس مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية في الرياض.. لكن السؤال هل ينجح القائمون على هذه المراكز من الاقتراب من الناس ومن إدارة حوار فعّال بين الفرقاء؟ 

alhebib@yahoo.com

—————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

 

-- د.عبد الرحمن الحبيب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*