الخميس , 8 ديسمبر 2016

مصطلح الأمن

الأمن من المصطلحات التي شاع استخدامها بشقِّها السياسي، بعد استقلال دول العالم الثالث في منتصف القرن الماضي وازدهار الانقلابات العسكرية.. ثم صاحب الشق السياسي في التسمية الشق الثقافي والفكري والاجتماعي، إلى جانب الأمن الجنائي بالطّبع، الذي تسيّد التسميات كلها في العقدين الماضيين، بعد التفجيرات الإرهابية. 

مصطلح الأمن له تأثير نفسي كبير، لأنه يلامس مباشرة أحاسيس الخوف في النفس البشرية.. واستخدامه بهذه الكثافة ولّد حالات من رفض الجديد ومحاربة الحديث والشك في الآخر.. وافترض أنّ الآخرين مدانون حتى تثبت براءتهم. 

في السبعينيات الميلادية، ظهر مصطلح الأمن الغذائي بقوة تبريراً للتوسُّع في الزراعة.. وأضيف إلى سلسلة مصطلحات الأمن الأخرى.. وتخصص في رعاية هذه المصطلحات أشخاص أو جهات مثل حرّاس الفضيلة الذين يهتمون بالأمن الأخلاقي.. ودعاة العروبة الذين يحرسون اللغة من الاختراق الأجنبي.. ومسؤولي الأمن التعليمي الذين يمنعون أيّ نوع من التعليم خارج النمط الرسمي.. فصار المجتمع بعمومه أفراداً وجماعات وحكومات، يبحثون عن أقصر الطرق لعلاج مشاكلهم، فما وجدوا أقصر من مسار الأمن، فكان ذلك سبباً في شيوع مصطلح الأمن. 

الإفراط في استخدام مصطلح الأمن في جميع نواحي الحياة، يمكن أن يحيلها إلى شبكة معقّدة من الأوامر والنواهي والقوانين المسيطرة الموجّهة.. ويحيل حياة الناس إلى حالة من الطوارئ المؤثرة على النفس والوجود.. فالأمن الفكري مثلاً يفترض استصدار قوانين تؤمن عدم اختراق أو تطوير أو تحوّل بعض المفاهيم والقيم المجتمعية.. وهذا التدخل يمكن أن يحدث تأثيراً عكسياً وينقلب من حماية فكرية إلى تدجين وحَجْر.. وما يعنيه ذلك من توقف في النمو وتراجع في التنمية. 

فبقدر ما أن الأمن مصطلح سهل يلامس النفس البشرية وغريزة الخوف والحذر وحب البقاء.. إلاّ أنّ مشكلته أنه يتجه إلى معالجة النتائج ولا يبحث في الأسباب، كما هو الحال في الأمن الجنائي، الذي يهتم بضبط الجاني ويغفل معالجة أسباب جنايته.. وهو مسار مبني على قوانين وأنظمة وشروط وضوابط وعقوبات على المتجاوز.. لذلك سوف يكون مؤذياً للحراك الاجتماعي إدخال مصطلح الأمن في معالجة ظواهرنا المجتمعية والفكرية والأخلاقية والتراثية والتعليمية والتعبدية. 

————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- م .عبد المحسن بن عبد الله الماضي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*