الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل ثمة حرب جديدة في القوقاز؟

هل ثمة حرب جديدة في القوقاز؟

هل ثمة حرب جديدة في القوقاز الجنوبي؟ ومن يدفع باتجاه هذه الحرب؟ ومن هم ضحاياها المحتملون؟

أجل، لقد عادت التوترات لتهيمن على المشهد الأمني والسياسي في جنوب القوقاز، منطلقة شرارتها من جبهة الحدود الأرمينية – الأذربيجانية، التي زاد التهابها.

لقد افتعلت أرمينيا، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، سلسلة متصلة من خروق وقف إطلاق النار، الأمر الذي أدى إلى سقوط عدد من القتلى في صفوف الجيش الأذري، بينهم ضابط.

إن أذربيجان، التي تحتل أرمينيا 20% من أراضيها، بما فيها إقليم قرة باغ، قد هددت بالرد على هذه الاستفزازات بالوسائل المتاحة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الأذريين، كما حلفاءهم الأتراك، يدركون تماماً أن هناك من يسعى لجر القوقاز إلى حرب هو من يحدد توقيتها وأهدافها.

ومن هنا، حرص الساسة في باكو وأنقرة على التذكير بأن ثمة قرارات دولية مجمعاً عليها، صادرة عن مجلس الأمن الدولي، وعلى الجميع الالتزام بها، كسبيل لإحلال الاستقرار بديلاً عن التوتر الإقليمي، الذي قد يخرج عن نطاق السيطرة.

وخلال زيارته لأذربيجان، في آذار/ مارس الماضي، ندد بكر بوزداغ، نائب رئس الوزراء التركي، بتصريحات الرئيس الأرميني سيرج سركسيان، التي قال فيها إن قرة باغ “من الأراضي الأرمينية، وستبقى كذلك”.

وقال بوزداغ إن قرة باغ منطقة محتلة، ولن تقوم تركيا بتطبيع علاقاتها مع أرمينيا، ولن تفتح أبوابها لها، إذا لم تنسحب من هذه المنطقة”.

وفي تموز/ يوليو الماضي، أماطت أذربيجان عن حجم الأضرار الفادحة التي لحقت بها خلال 20 عاماً من الاحتلال الأرميني لأراضيها. موضحة أن هذا الاحتلال كلفها 100 مليار دولار، ناهيك عن الخسائر البشرية الكبيرة. وطلبت الحكومة الأذربيجانية من المؤسسات الدولية المشاركة في حساب هذه الأضرار التي أصابت الدولة والمجتمع الأذري.

وفيما بدا محاولة لتسوية سياسية للنزاع، شهدت مدينة قازان الروسية في 24 حزيران/ يونيو 2011 لقاءً ضم رؤساء روسيا وأرمينيا وأذربيجان. وكان من المؤمل أن ينتهي الاجتماع بإبرام وثيقة مبادئ لحل قضية قرة باغ. بيد أن ذلك لم يحدث بأي حال من الأحوال.

وقد أكد الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، في تصريحات أدلى بها قبل اللقاء الثلاثي أن قرة باغ جزء من الأراضي الأذربيجانية. وأن أذربيجان مستعدة، على الرغم من ذلك، لمنح هذا الإقليم حكما ذاتياً موسعاً.

بعد ذلك، قال علييف، إثر عودته إلى أذربيجان، إن بلاده يجب أن تصبح أقوى لتنهي الاحتلال الأرميني ل20% من أراضيها.

وهناك حالياً ما يُعرف ب “فريق مينسك”، المنبثق عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والذي تقوده مناوبة كل من روسيا والولايات المتحدة وفرنسا.

ويهدف هذا الفريق إلى تفعيل الحوار المتعدد الأطراف، بحثاً عن حل سياسي للأزمة، إلا أنه لم يتوصل إلى أي شيء حتى اليوم، نتيجة لرفض أرمينيا الانسحاب من الأراضي الأذرية المحتلة.

كذلك، رفضت أرمينيا المشروع التركي للتسوية السلمية للنزاع، الذي استند كلياً إلى قرارات الشرعية الدولية، وسعى، في الوقت ذاته، لحفظ حقوق الأطراف المختلفة، وعدم شعور أي منها بالغبن.

وكانت أذربيجان قد استقلت عن الإمبراطورية الروسية في 28 أيار/ مايو من العام 1918، إلا أن الدولة المستقلة لم تبلغ الحلم، حيث غزتها القوات البلشفية في 28 نيسان/ أبريل 1920. وجرى على أنقاضها تأسيس جمهورية أذربيجان السوفياتية الاشتراكية. واستمر ذلك حتى العام 1991، عندما استعادت الدولة الأذرية استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

بيد أن الدولة التي استعادت استقلالها للتو لم تسترد أنفاسها حتى باغتها الجيش الأرميني بحرب قادت لاحتلال 20% من ترابها الوطني.

لقد استطاع الجيش الأرميني، بمعاونة المليشيات الأرمينية في إقليم قرة باغ ، من فرض سيطرته على مناطق أذربيجانية واسعة، بين عامي 1993 – 1994، واحتل أراضي يصل إجمالي مساحتها لأربعة عشر ألف كيلومتر مربع، هي عبارة عن إقليم قرة باغ وسبع قرى محيطة به. ويفوق اتساع هذه الأراضي مساحة دولة بحجم لبنان.

وقد ردت تركيا على هذا العدوان، بإغلاق حدودها مع أرمينيا عام 1993، بأمر من الرئيس التركي حينها، سليمان ديميرل، الذي طالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته كاملة، ودون مواربة، تجاه الشعب الأذري، الذي تعرض لدمار واسع النطاق من آلة العدوان الأرميني.

وأصدر مجلس الأمن الدولي سلسلة قرارات، طالبت أرمينيا بالانسحاب غير المشروط من إقليم قرة باغ، وكافة الأراضي الأذربيجانية المحتلة، وتحمل تبعات ونتائج العدوان والاحتلال، وتعويض النازحين والمشردين، الذين يفوق عددهم اليوم المليون مشرد.

وكان من أبرز هذه القرارات القرار الرقم (822)، الصادر في 30 نيسان/ أبريل عام 1993، والقرار الرقم (853)، الصادر في 29 تموز/ يوليو من العام ذاته، والقرار الرقم (874)، الصادر في 14 تشرين/ الأول أكتوبر من العام ذاته أيضاً.

ويضاف إلى ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الرقم (243/ 62) الصادر في 14 آذار/ مارس من العام 2008.

لم تستجب أرمينيا لأي من هذه القرارات، كما لم تكترث للمناشدات الداعية لوقف الانتهاكات التي ترتكبها قواتها ضد المدنيين الأذربيجانيين في المناطق المحتلة، والكف عن التعدي على دور العبادة والمعالم الثقافية والتراثية في إقليم قرة باغ، ناهيك عن عمليات التطهير العرقي الممنهج التي لا زالت تمارسها في الإقليم.

ويعتقد البعض أن أرمينيا تهدف اليوم من خرقها المتكرر لوقف إطلاق النار إلى إثارة الرعب في نفوس سكان الإقليم، وإجبار المزيد منهم على الرحيل عن ديارهم.

وتشير بعض التقارير إلى أن أذربيجان كانت تعتزم خوض حرب جديدة لاستعادة أراضيها المحتلة، لولا نشوب الحرب الروسية – الجورجية عام 2008.

وتمتلك أرمينيا مواقع دفاعية مجهزة وحصينة على طول خط الجبهة. أما أذربيجان، فلديها إمكانات اقتصادية أكبر بكثير من أرمينيا، بل إن ميزانيتها العسكرية تفوق إجمالي الناتج القومي الأرميني. ولديها تفوق عسكري واضح في الجو والبر.

وعلى الرغم من ذلك، ثمة من يعتقد أن أرمينيا ربما تراهن اليوم على عضويتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تقودها روسيا. وكذلك احتفاظها بقاعدة روسية كبيرة في أراضيها.

وثمة من يذهب إلى القول بأن أرمينيا قد تسعى لاستفزاز أذربيجان لتكون هي البادئة بالحرب، قبل استكمال قدراتها الدفاعية وتعزيز تفوقها العسكري. فأرمينيا، والمليشيات التابعة لها في قرة باغ، لايمكنهما منطقياً البدء بحرب على أذربيجان، التي يعرف الجميع أنها ضحية للاحتلال والعدوان منذ عقدين من الزمن.

على صعيد القاعدة الروسية في أرمينيا تحديداً، يُمكن أن نشير إلى أن تواجد هذه القاعدة يعود إلى العام 1995. وقد صادق الرئيس الروسي في 27 حزيران/ يونيو 2011 على اتفاقية لتمديدها مدة 49 سنة أخرى، أي حتى العام 2044.

وتوجد هذه القاعدة في مدينة غومري شمال أرمينيا، وهي تعمل في إطار الشبكة الموحدة للدفاع الجوي التابعة لرابطة الدول المستقلة. وتعتبر القاعدة الروسية الأكبر من نوعها خارج روسيا.

وتقيم فيها تشكيلات عسكرية روسية متقدمة، بما في ذلك فوج الصواريخ المضادة للجو، المزود بأنظمة (S -300)، وسرب طائرات (MIG-29) الاعتراضية، وفوجان آليان، وفوج للمدفعية. ويبلغ تعداد تلك التشكيلات 3690 عسكرياً، و556 موظفاً مدنياً.

ويقوم الجانب الروسي، بموجب المعاهدة المنشئة للقاعدة، بإمداد الجيش الأرميني بأسلحة ومعدات عسكرية حديثة.

ومن جهة أخرى، يرابط عسكريون روس في أذربيجان، حيث تقع محطة “داريال” للإنذار من الهجمات الصاروخية. ويخدم في هذه المحطة، الواقعة في بلدة غابالا، 923 عسكرياً، بالإضافة إلى 234 خبيراً مدنياً، نصفهم تقريباً من السكان المحليين.

وتعتبر محطة غابالا أهم محطات الرادار التي تستند إليها منظومة الإنذار المبكر الروسية ضد الهجمات الصاروخية. وكانت هذه المحطة مخصصة سابقاً لمراقبة إطلاق الصواريخ الباليستية من منطقة آسيا والمحيط الهادي، ومراقبة الأجهزة والأجسام الفضائية في النصف الجنوبي للكرة الأرضية، وباستطاعتها مراقبة الوضع على بعد ستة آلاف كيلومتر.

ويسعى الروس، منذ سنوات، لاستمالة أذربيجان، حليف تركيا الأول والوثيق في القوقاز، على الرغم من استمرار سياستهم الداعمة لأرمينيا.

وتحتل أذربيجان موقعاً محورياً في المقاربات الدولية لإقليم القوقاز، بما هو جسر بين آسيا وأوروبا، ومصدَر للطاقة، وساحة اختبار لنمط كثيف من الرهانات الاجتماعية والسياسية والأمنية.

ويدفع موقعها الجغرافي باتجاه تعزيز مكانتها في الجيوبوليتيك الدولي، وخاصة لجهة كونها ممراً لخطوط الطاقة بين بحر قزوين وموانئ تركيا، حيث البحر الأبيض المتوسط.

وما يُمكن قوله خلاصة، هو أن الاحتمالات المتعلقة بوقوع حرب جديدة في القوقاز الجنوبي تبدو اليوم أكثر تجلياً من أي وقت مضى. وعلى المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته كاملة قبل فوات الأوان، ذلك أن القوقاز برمته سيكون ضحية أي حرب قادمة. ولا يجوز لأحد أن يستسهل الأخطار والتحديات الماثلة للعيان.

———-

نقلاً عن الرياض

-- عبدالجليل زيد المرهون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*