السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل يقرأ المسلمون جغرافيتهم؟

هل يقرأ المسلمون جغرافيتهم؟

الإسلام والمسلمون على كل لسان اليوم. إن ألقيت نظرك على صفحات أي جريدة أو شاشة التلفزيون أو أمضيت ولو سويعات أمام شاشة الكمبيوتر لا بد أن تصادف مادة تخص الإسلام والمسلمين. وهنا في الغرب الكل يتحدث عن الإسلام والمسلمين. شؤون الدول العربية والإسلامية هنا في الغرب تتصدر نشرات الأخبار وتملأ صفحات الجرائد.

ولكن هل سأل أحد من المهتمين بالشأن الإسلامي أو بالأحرى هل سأل العرب والمسلمون أنفسهم يوما ما إن كانوا حقا مدركين للجغرافية الاقتصادية والاجتماعية للإسلام؟

تحدثت في مقال سابق كيف تم اختزال الإسلام في دول وشعوب محددة، ولا سيما التي تشمل جغرافية الشرق الأوسط الكبير، وقلت إن أحد الأسباب الرئيسة لهذه الظاهرة هو علم الاستشراق الذي لا يزال يتحكم فيه الباحثون والعلماء الغربيون. وذكرت أن للمسلمين، ولا سيما العرب منهم، ضلعا في خلق جغرافية اقتصادية واجتماعية للإسلام لا تتجاوز دولهم وشعوبهم إلا قليلا.

ليس الغرب فقط لا يكترث للإسلام كظاهرة كونية، العرب أنفسهم يتصرفون وكأن لا إسلام في الدنيا غير إسلامهم، ولهذا تراهم في حالة نسيان أو نكران لحقيقة أن الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية الشرق أوسطية للإسلام ما هي إلا أقلية مقارنة بالغالبية الإسلامية.

وإن تحدث امرؤ أو كتب شيئا عن الإسلام واقتصاده وثقافته وفكره، ليس في الغرب فقط بل في أي مكان آخر في العالم، لقفز الشرق الأوسط الكبير – الدول العربية زائدا عدد محدد آخر من الدول لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة – أمامه واضطر إلى الاستناد إليه كنموذج أو كيان وكأنه يمثل الجغرافيا الكونية للإسلام كاقتصاد ومجتمع.

كم من العرب أو المسلمين وكم من الباحثين المهتمين بشؤونهم كان له علم عن وجود مسلمين في ماينمار مثلا؟ ومن اكترث لما لحقهم من حرق وبطش ودمار وقتل؟ أول غير المكترثين كان العرب والمسلمون في الشرق الأوسط الكبير.

كلنا ننسى أن ثقل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للإسلام والمسلمين لا يمثله الشرق الأوسط، بل جنوب شرق آسيا، حيث يوجد أكثر من نصف المسلمين في العالم، وإن أضفنا إليهم الهند سيشكلون الأغلبية الساحقة للمسلمين.

هؤلاء لم يعتنقوا الإسلام عن طريق الفتوحات. قبلوا الإسلام لأخلاقه العالية بعد أن رأوا في القلة من المسلمين الذين كانوا يصلون ديارهم عن طريق التجارة أنهم يمثلون القدوة الحسنة للخلق الإنساني الكبير والسليم.

هؤلاء رغم كثرتهم يعيشون بين شعوب لا تتبع أيا من الديانات السماوية ومع ذلك صارت بعض دولهم مثل إندونيسيا وماليزيا قدوة حسنة ليس لجيرانهم وحسب، بل للعالم برمته ويقدمون خدمات جزيلة للإسلام وقرآنه ولغته وبتواضع وسكينة تتجاوز كل ما يقدمه الشرق الأوسط الكبير برمته.

هؤلاء لم يضعوا كل بيضهم في الغرب كما تفعل شعوب ودول الشرق الأوسط الكبير، بل وضعوا كل بيضهم في خدمة شعوبهم.

بوصلة الشرق الأوسط الكبير موجهة تقريبا برمتها ليس صوب خدمة شعوبه أو خدمة الإسلام كمفهوم اقتصادي واجتماعي كوني، بل في خدمة المصالح الغربية أو الشخصية. لولا الاستثمارات العربية والإسلامية الشرق أوسطية لما دارت عجلة الاقتصاد الغربي بالسلاسة التي تدور بها الآن. ما يملكه بعض الشرق الأوسط العربي والإسلامي من استثمارات في الغرب يفوق استثماراته في الداخل.

الوضع معاكس في جنوب شرق آسيا ومجتمعاته الإسلامية. لولا الاستثمارات الغربية في هذه الدول لما ازدهر الشرق هناك ولولا الاستثمارات الغربية لما وقفت بعض دوله ندا للغرب اقتصاديا وعلميا وسياسيا وعسكريا. الشرق الآسيوي استفاد من الغرب إلى أقصى حد. أما الشرق العربي فلا يزال الغرب مستفيدا منه.

أمام العرب والمسلمين في الشرق الأوسط فرصة ذهبية لتحويل وجهة بوصلتهم من غرب لا يكف عن التأمر عليهم إلى شرق تعيش فيه غالبيتهم.

————–

نقلاً عن الرياض

-- ليون برخو

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*