الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المنهج الإصلاحي في الحوار بين الطوائف والمذاهب

المنهج الإصلاحي في الحوار بين الطوائف والمذاهب

إنشاء المركز العالمي للحوار بين المذاهب في الرياض انطلاقاً من دعوة خادم الحرمين الشريفين الذي تبناه الإعلان الختامي لقمة مؤتمر التضامن الإسلامي الاستثنائي الذي كان قد عقد في مكة المكرمة، 

دليل على المنهج السلمي والسليم في الحوار داخل الوطن العربي والعالم الإسلامي؛ فالمشاكل المتعددة التي مردها العقل تعالج وتحل بالعقل السليم؛ ولا أنجع في ذلك من خلق ميكانزمات مؤسساتية تربط الماضي بالحاضر والمستقبل وتجمع في طاولة واحدة كل المشارب المذهبية والحضارية للحوار والمناقشة والمجادلة بالتي هي أحسن وذات المناهج والقواعد البناءة والبعيدة عن الغلو والنفاق والكذب والخداع والتمويه والتضليل والإيهام وهي للأسف دأب بعض السياسات الخارجية. 

فبعض الدول أدخلت العامل الطائفي كسياسة خارجية وهي تظن أنها بذلك رادعة لأنوف الدول الأخرى وأن سلاحها سلاح مدو وفضيلة سياسية ومذهبية، ولكنها تحدث شرخاً في جدار الوحدة العربية وانفصاماً بينا في جوانب الشخصية الإسلامية؛ وهذه السياسة رذيلة تبعث وتخلق التشرذم وتموه الصراع السياسي نفسه لحسابات فارغة تلجأ إليها الأطراف الضعيفة في الصراع السياسي.

وهنا تبتعد تلكم الدول عن المعيارية الأخلاقية التي من خلالها فقط يمكن إحداث الوحدة وخلق آليات الاتحاد والسير بعيداً بالنظام العربي والإسلامي إلى أوجه تكامله البنيوي على شاكلة ما وقع بين دول أوروبا، المختلفة فيما بينها لغوياً واقتصادياً واجتماعياً ولكن أعمال أدوات الحوار واستعمال المعيارية الأخلاقية في السياسة الخارجية جعلت من أمر الاتحاد الأوربي أمراً ممكناً إلى أن وصل هذا الاتحاد إلى أوجهه باستحداث اَليات عصرية وقوية كالبرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي والرئاسة الأوروبية والوحدة النقدية الأوروبية ونظام “شنغن” الذي يسمح بحرية التنقل إلى غير ذلك؛ من دون تلكم المعايير الأخلاقية ما كان بإمكان تلكم الدول أن تزيل عنها لباس القطر الواحد الضيق لتلبس لباساً أوروبياً موسعاً يتسع لجيلها المؤسس والأجيال المقبلة واللاحقة؛ وهذا النوع من التفاهم قمة في التغاضي عن الحسابات الضيقة لصالح المصلحة العامة وبناء اقتصاد ومؤسسات وميكانزمات قوية ومتميزة يرجع خيرها على كل الأقطار وبدون استثناء؛ عندما يصبح بعض الفاعلين السياسيين في بعض الدول فاعلين متسيسين أخلاقياً، متعصبين مذهبياً، يضحون بالغالي والنفيس، وبالمبادئ الإنسانية السامية، وبالمثل الأخلاقية العليا، من أجل الانتصار لمذاهبهم، والتعنت لأفكارهم، وبعث الفتنة في المذاهب الأخرى والدول المجاورة فإنهم يصبحون مخالفين للقواعد الإنسانية وللضوابط البشرية والمؤسسية والتي بغيابها يمكأن نكبر أربعاً على وفاة العديد من المؤسسات والأفراد. 

أوروبا اتحدت فيما بينها لأن أصحابها المؤسسين وممثليها المسيرين تشبعوا بالمعايير الأخلاقية المثلى والأخلاقية الذاتية القائمة على الضمير والاقتناع الفردي والموضوعية القائمة على المؤسسية والمسؤولية.. هذا هو المطلوب منا جميعاً اليوم.. وبدون استحضار هاته الأمثلة وهاته القواعد يحدث نوع من الارتخاء والتسيب الأخلاقي والأنا المرتفعة المنذرة بنفاق فكري وعلو مذهبي تنعكس على الأفراد داخل الجماعة وداخل القطر وعلى السياسة الخارجية للدولة. 

القاعدة التي تحكم في مثل هاته الأمور هي المسؤولية والضمير الشخصي.. العولمة جعلت من حدود الدول حدوداً متداخلة والتطور والشبكات العنكبوتية والتنقل جعلت من تقوية المؤسسات الرادعة لمثل هذا الغلو المذهبي وتداعياته أمراً صعباً.. 

وكلنا نتذكر بأسف شديد الحرب الأهلية في لبنان وتداعياتها على الاستقرار داخل البلدة في محيطها الجهوي؛ ونتذكر كيف أن كل طائفة استغلتها قوى أو طوائف أخرى لتحقيق مصالحها في حرب ضروس ضد طوائف أخرى؛ وكيف أن دولاً أخرى رسخت وجذرت هذا الصراع لتعطيه صورة طائفية محضة أتت على الأخضر واليابس، وكان كل شيء مركباً تركيباً طائفياً، حتى الجيش كانت وحداته مكونة تكوينا طائفياً فصعب على الكيان والقطر اللبناني إرساء دعائم جيش قوي موحد يحافظ على القشرة الحامية للدولة ويردع المغرضين وأصحاب الهوى وأصحاب الطائفية، ويردهم إلى جادة الصواب.. 

فتدخلت إسرائيل وتدخلت دول أخرى كإيران، وتدخلت روسيا وتدخلت الولايات المتحدة الأمريكية، في عز الحرب الباردة كما تدخلت فرنسا.. والكل وجد في هاته البلدة مصدراً لتحقيق مصالحه عن بعد.. ولكن على حساب من؟.. على حساب مستقبل لبنان وأهله؛ وما تذكيري بهاته الأمور والحقائق التاريخية التي عشناها منذ زمن قريب إلا تذكير بما يمكن أن يقع إذا لم تجذر أسس الحوار ولم تعمم المعايير الأخلاقية عند الجميع الذين يولون الولاء للدولة لا للأفراد والأطياف والمغرضين، ويقيمون سياساتهم الخارجية على معايير أخلاقية تجعلهم يتغاضون عن المكر والخديعة وبث الفُرقة والتشتت والتشرذم عند الآخرين. 

إن الحديث عن الحوار بين المذاهب هو حديث عميق في ذاته، كثير الدلالة يتعلق بتغيير المفاهيم الخاطئة عند الكثير من الناس ويتعلق بزيادة وتغيير برامج مدرسية لإصلاح أجيال بأكملها وإلا لا قدر الله فإننا سنكون أجيالاً مذهبيين ثوريين.. 

وهذا يذكرني بالأستاذ عبدالرحمن الكواكبي، الذي عُدَّ في زمانه من دعاة الإصلاح الديني والسياسي والتنوير.. ورغم أنه كان معروفاً بنزعته الثورية على السلطوية المطلقة والاستبداد فإن العدالة الاجتماعية عنده كانت ترمي إلى اتباع المنهج التدريجي السلمي في ثورته وتغييره الأمور باستعمال النظر والعقل والتدرج وباستخدام أدوات الإعلام وإصلاح المؤسسات القائمة وباستخدام مستويات تداول الشأن العام وإنشاء الجمعيات التي تنشر الوعي وتنبه الاذهان وتربي الناشئة تربية صحيحة للخروج من ظلماتلجهل إلى نور الفهم ومن نفق الفتور العام إلى الضوء الجلي ومن الانحطاط المظلم إلى التقدم السليم.. 

لذا نرى أحد من وصفه يكتب أنه اهتم بتغيير الذات الجماعية (القوم) حتى يتم تغيير ما ألم بها (أو بهم) من فتور، واستلاب إرادة.. يدخل الكواكبي في زمرة الإصلاحيين الإسلاميين من أمثال محمد عبده ورشيد رضا من ناحية الفكر الإصلاحي التنويري؛ وقد عقد أحمد أمين مقارنة ذكية بين الأفغاني والكواكبي، أهم ما جاء فيها أن الأول احتوى السياسة الأوروبية فصب عليها جام غضبه، واستغرقت حملته على السياسة الإنجليزية أكبر قسم في العروة الوثقى؛ أما الثاني (أي الكواكبي) فقد احتوى السياسة العثمانية فكانت موضع نقده، ثم إن الأول نظر إلى العوامل الخارجية للمسلمين فدعاهم إلى أن يناهضوها كما كانت معالجة المسائل معالجة ثائر تخرج من فمه الأقوال ناراً حامية، وهو داع إلى السيف حاد الذكاء والطبع، غاضب؛ أما الثاني فقد نظر إلى نفس المسلمين فدعاهم إلى إصلاحها، ومعالجته كانت معالجة طبيب يفحص المرضى في هدوء ويكتب الدواء في أناة كما أنه مشفق، داع إلى المدرسة، رزين الذكاء هادئ الطبع، وكان جمال الدين الأفغاني حسب ما كتبه أحمد أمين في كتابه “زعماء الإصلاح في العصر الحديث” مثل دوي المدفع؛ أما عبدالرحمن الكواكبي فكان مثل خرير الماء يعمل في بطء حتى يفتت الصخر.. 

وأظن أن المركز العالمي للحوار بين المذاهب سيتبنى المدرسة الثانية، مدرسة التدرج والحوار، مدرسة مصلحة الأمة بأكملها، وسيكون نفعها كبير على الوطن العربي والعالم الإسلامي إذا اتبع النهج الإصلاحي وزاوج المتحاورون وأصحاب المذاهب بين الكلام والتطبيق، وهما جانبان لمعادلة توازنية رياضية واحدة ما أحوجنا إليها اليوم، وإلى الله عاقبة الأمور. 

————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*