الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإعراض عن إساءة السفيه

الإعراض عن إساءة السفيه

الغضب من الإساءة ينبغى أن يكون متفقاً مع مصدر تلك الإساءة وقيمته ومدى مصداقيته عند الآخرين، فإذا كان هناك شخص سفيه ومختل العقل يعتدى عليك بالسباب فى الشارع، فإن الأمر يختلف عن أن يكون شخصية معروفة ولها احترامها أو حضورها أو مصداقيتها، ورد الفعل على ذلك أيضاً يختلف باختلاف المصدر.

ولذلك أتمنى أن يكون رد فعل المسلمين على مثل تلك الإساءات المتكررة متصلا بذلك المعيار الضرورى والمهم، فالثلاثة أو الأربعة الذين أعدوا الفيلم المسيء للرسول وهو سبب الضجة الحالية تافهون للغاية ولا قيمة لهم ولا وزن بأى معيار، وظل هذا القس الأمريكى المختل والمغمور وتابعه موريس يعلنون على مدار عدة أشهر أنهم سيحرقون القرآن فى احتفال عام، آملين أن يحدث دعاية أو يهتم بهم أحد.

وفى النهاية لم يجدوا سوى أن يصوروا أنفسهم واثنين معهم فى حديقة مسكن أحدهم وهو يحرق ما سماه “نسخا من القرآن” فى وعاء صغير، فبدا المشهد كأنه حفلة شواء فى أسرة صغيرة، ولم يعبأ به أحد، وعندما أراد أن ينتج هذا الفيلم الجديد ظل على مدار عدة أشهر يكرر نفس الأمر: سننتج فيلما يهين نبى الإسلام، سننتج فيلما يحرق نبى الإسلام، وهكذا، على أمل أن يهتم به أحد، ويبدو أن الظروف السياسية الجديدة خدمته، فقامت الضجة، وأظنه سعيدا الآن بما حدث، فأتمنى مستقبلا ألا نعطى قيمة لمن لا قيمة لهم، لو أن من أنتج الفيلم مؤسسة كبيرة ومرموقة ولها حضورها وجماهيرها الكبيرة مثلا لكان الأمر مختلفا.

لو أن من قامت بعمل الفيلم مؤسسة رسمية تتبع حكومة دولة كبيرة أو صغيرة مثلا فإن الأمر يكون مختلفا، على كل حال، واضح أن مسألة الفيلم المسيء تحولت إلى أداة صراع سياسى محلى فى المنطقة العربية، فالحكومة الليببية أكدت أن مطلق الصاروخ على القنصلية الأمريكية فى بنغازى هو شخص من أذناب نظام القذافى، وذلك بهدف إحراج النظام الجديد الذى ولد مع الثورة التى أطاحت بالقذافى وعصابة أنجاله.

وفى السودان اقتحم المتظاهرون السفارة الألمانية، وأنا لا أفهم أبدا صلة الألمان بالفيلم، ولكنى أعتقد أن المقصد واضح، وهو إرباك الحكومات واستخدام الواقعة كأداة صراع سياسى، وفى مصر تحولت الأمور الآن إلى تصعيد عشوائى بلا أى معنى ولا أى هدف ولا أى سقف ولا أى نهاية، مجرد رغبة فى تهييج الشارع من جديد وإعادة الحيوية التى فترت لميدان التحرير، وحزب الحرية والعدالة يضرب الآن أخماسا فى أسداس فى كيفية التعامل مع تلك الأحداث، لأن استخدام القوة المفرطة من الشرطة فى المواجهة ستكون عواقبه وخيمة للغاية.

هم يعرفون ذلك، والمواجهة الشعبية فى الشارع ستحول صورة “حكم محمد مرسي” إلى فوضى، وترك الأمور تتصاعد بدون قدرة على الاحتواء يفتح الأجواء على المفاجآت الخطرة، الآن نستطيع أن نقول إن مصر بدأت “تلعب سياسة”،.

وفى لعب السياسة كما فى المصارعة الحرة، كل شيء مستباح، وكما يقول العامة “اللى تغلب به العب به”، وأنا واثق أن هناك من يلعب الآن باستغلال واقعة الفيلم المسيء، وأعتقد أنه اختبار تمهيدى للإخوان وحزبهم والرئيس الممثل لهم، فحمل السلطة ليس “تمرا أنت آكله”، ولكنه عبء وعناء وعذاب وتوتر، وممارسة العمل السياسى تحت الضغط والمخاطرة المستمرة

-- جمال سلطان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*