الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إعاقة لحوار الأديان.. ولكن!

إعاقة لحوار الأديان.. ولكن!

قد تنقلب المعادلة الصعبة لصالحنا بخصوص فيلم براءة المسلمين، حين تتخذ إجراءات قانونية، تدفع الرأي العام إلى تتبع القضية ومسبباتها، مع حملات إعلامية عالمية تدعو إلى نبذ العنصريات الدينية

مرت قبل عدة أيام ذكرى 11 سبتمبر وسط عاصفة هوجاء من الأحداث المتسارعة التي تقع في صلب محددات العلاقة بين الإسلام والغرب. ففي الوقت الذي تشكلت دعوات مهمة للحوار بين الثقافات والأديان بعد 2001 حدثت صفعة مؤلمة في وجه مثل هذه الدعوات قبل عدة أيام حين نشر فيلم منتج في أميركا يحمل عنوان (براءة المسلمين) فيه إساءة كبيرة وإهانة مقصودة واستفزاز للمسلمين من خلال التعرض المسيء لشخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أمر لن يؤثر على مكانة النبي لدى المسلمين إلا أنه يحمل رسائل ومضامين مسيئة وخادشة لمكانة الأنبياء والأديان، في ظل رداءة النص والإخراج يقدم السيرة النبوية بمشاهد بغيضة لا يتقبلها أحد أبداً وهي إساءة متعمدة للإسلام والمسلمين. 

يأتي هذا الفيلم الرديء بعد مرور حوالي سبع سنوات على نشر صحيفة (يولاندس بوستن) لرسومات كاريكاتورية مسيئة للنبي الكريم خلقت أزمة بين المسلمين والمسيحيين الغربيين استمرت لسنوات. 

الحالة العامة قبل ذلك لم تكن جيدة؛ فقبل نشر الرسومات بعام واحد، قَتل هولنديٌ من أصل مغربي، المخرجَ الهولندي (ثيو فان غوخ) صاحب فيلم “الخضوع” صوّر فيه المخرج سوء معاملة المرأة في الإسلام بالاعتماد على نصوص من القرآن، إذ كُتب السيناريو بواسطة (آيان حرصي علي) وهي عضو البرلمان الهولندي من أصول صومالية، ويبدو أن تلك الرسومات المنشورة في الصحيفة الدنمركية المشار إليها كانت احتجاجاً على مقتل المخرج؛ إلا أن الحال الآن أصبحت أكثر سوءاً، فالفيلم المشار إليه يكرّس العنصرية والعنف وربما يبرر إيجادها لدى البعض، لما للمحتوى والمضامين من جرح للمشاعر وتنمية للكراهية والأحكام المسبقة؛ مما أفرز مظاهرات واسعة في أنحاء العالم الإسلامي، ومن ذلك المظاهرات قرب سفارات وقنصليات الولايات المتحدة في مصر وتونس واليمن، والتي قادت إلى مقتل السفير الأميركي في ليبيا كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين، ثم صرحت وزيرة الخارجية الأميركية بنفي علاقة الإدارة الأميركية الرسمية بالفيلم. 

في ظل هذا الحدث أعتقد أننا بحاجة إلى عدة أمور مهمة وهي: الأول: تبني رسالة إدانة عالمية واضحة (من المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى) لمحتوى هذا الفيلم وغيره، لتوضيح دوافع العنصرية ومقاصدها والتأكيد على أهمية التعايش بين أتباع الأديان، وأن الدين الإسلامي لا يدعو قط إلى مثل هذه الكراهية والإساءة المتعمدة التي تؤثر سلباً على شيوع التسامح، في ظل شيوع صورة نمطية سيئة عن الإسلام والمسلمين، يتم تكريسها بدرجة كبيرة من العنصرية وإلغاء (الآخر) وتعمد استفزازه.

أما الأمر الثاني فهو الظهور الإعلامي المكثف للمسلمين المعتدلين في وسائل الإعلام الغربية المختلفة (التقليدية والإلكترونية) لتوضيح خطأ تلك الصور النمطية، ولو لزم الأمر القيام بإنتاج أفلام وثائقية وتاريخية عالمية توضح رسالة الإسلام العادلة والمتسامحة وتاريخ الحضارة الإسلامية التي أفاد منها الغرب قديماً. 

وعلى ضوء هذه الأمور يتم التوضيح أيضاً أن عمليات العنف والقتل والتخريب التي تحدث بدوافع مختلفة – وإنْ قام بها مسلمون – لا تمثل الدين الإسلامي، والتذكير بأن أحداث سبتمبر قبل عشر سنوات جعلت الغرب يقع في مشكلة كبيرة هي مشكلة التعميم، حين أصبح لدى الغالبية من الأفراد والحكومات (كل مسلم هو بالضرورة إرهابي) ومهما يكن الأمر، أظن أن من قاموا بإنتاج الفيلم نجحوا في جر بعض المسلمين – سواء بقصد أو دون قصد – إلى منطقة يراد منها إثبات وجهة نظرهم حول الإسلام والمسلمين، وبالتالي إيصال رسالة لأتباع الطوائف والثقافات والأديان في العالم بأن هؤلاء هم المسلمون وهذا هو ديدنهم! ومن ثم ينخفض صوت الحق وتتحقق الصورة النمطية المرتسمة في الأذهان مسبقاً.

ولذلك فإن الأجدى بالمحامين المسلمين في الغرب أن يصعدوا القضية قانونياً، والإعلاميين إعلامياً، عبر المطالبة بالاعتذار ومحاسبة من تسبب في جرح مشاعر ملايين المسلمين وتأمين حماية الحرية الدينية للمسلمين؛ فالقضية حين تأخذ إجراء قانونياً، يدفع الرأي العام إلى تتبع القضية ومسبباتها، وخاصة في ظل وجود حملة إعلامية عالمية تدعو إلى نبذ العنصريات الدينية.. أظن أن هذا الأمر يمنح المسلمين أصواتاً أخرى إلى صفهم للدفاع عن قضيتهم، وقد تنقلب المعادلة الصعبة لصالحنا. 

إننا أمام أحد خيارين إما اللجوء للعنف والقتل، وهذا يضر بنا بلا شك، أو البحث عن طريقة عقلانية لرد الاعتبار والكرامة لنا كمسلمين، وهذا ما يمليه العقل والمنطق في معارك الإعلام الجديد.. ولنتذكر جيداً أن الضربة التي لا تقتلنا تقوينا!

————–

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- سعود البلوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*