الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إلا رسول الله.. كيف تناول المسلمون القضية؟

إلا رسول الله.. كيف تناول المسلمون القضية؟

يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة فقدان الهوية فعلا، فمنذ أن نشر أول خبر عن الفيلم المسيء لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ظهرت الكثير من التعليقات التي تتبنى وجهات نظر مختلفة. الخلاف الأساسي كان في طريقة تناول القضية والوسيلة الأمثل لرفض هذا التجاوز الفاحش على أحب الناس إلى المسلمين وضمان عدم تكراره. حب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شرط الإسلام، وحبه أكثر من النفس شرط الإيمان كما قال – صلى الله عليه وسلم – مخاطبا الفاروق عمر, فبأبي أنت وأمي ونفسي يا رسول الله.

يمكن أن نضع سيناريوهات مختلفة لحالات يعتدي فيها شخص أو وسيلة إعلامية على أي واحد منا. كل السيناريوهات ستصل في النهاية إلى الدفاع عن النفس. هذا الدفاع مشروع في كل الأديان وكل المذاهب السياسية والفكرية. يمكن أن نكتشف صحة هذه المعادلة بالنظر لعدد قضايا التعويض الشخصي المنظورة في المحاكم والشرط ومكاتب الحقوق المدنية في كل مكان.

يأبى الكثير من كتابنا ومثقفينا إلا أن يفسروا ويحلحلوا ويفسلفوا القضايا, كل القضايا. فمن قائل لمن أعمى عيونهم الغضب أنتم رعاع ومتخلفون وتعينون على الباطل, إلى متحدث عن الحقوق المدنية وحرية الرأي, وثالث يتحدث عن تخلف المسلمين والإرهاب الذي امتطاه كل من أراد تقويض هذا الدين, وأضحى كحصان طروادة الذي لا بد أن ظاهره الحرص وباطنه التجريم, بسبب سلوك 100 أو ألف أو حتى 100 ألف شخص من ملياري مسلم.

فئة ساكني الأبراج العاجية, الذين يخدمون مصالح العدو من خلال التنصل من المسؤوليات والقيم والمجتمع برمته, ستخسر دون أدنى شك, ذلك أن النظرة في الغرب لا تفرق بين ”متفيهق” وغيره من الأصناف, ما داموا يحملون جواز السفر نفسه وينتمون للدين نفسه – ولو كتابة فقط. 

لمن يرى أنه أفضل من هؤلاء الذين قضوا نهارهم في الشمس يصرخون ويطالبون بحفظ حق محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم, بينما يتنقل سعادته بين القنوات ليرى أيها أكثر تغطية للحدث ومن أي الزوايا يتحدث مراسلوها, أقول: إن الدين بني على أكتاف الفقراء والضعفاء والفدائيين, أولئك الذين نام أحدهم في سرير الرسول – صلى الله عليه وسلم – عندما كانت قريش عازمة على قتله في نومه قبل أن يهاجر إلى المدينة. 

أثمر هذا الدين ذينك الشابين اللذين تنافسا على قتل أبي جهل في غزوة بدر لينالا شرف الذب عن حبيبهم محمد – صلى الله عليه وسلم – فنالا وسام الشرف من لدن الرسول عندما أعلن ”كلاكما قتله”. انتشر هذا الدين يحمله الصحابي الذي تحول ظهره ليصبح مثل ظهر القنفذ من كثرة ما اخترقه من نبال المشركين وهو يحمي الرسول – صلى الله عليه وسلم – في غزوة أحد, ذلك الذي تقطعت أطرافه وهو يضعها لتتلقى الضربات من سيوف المشركين حتى لا تطول جسد حبيبه, لينال شرف الجنة من لسان المصطفى وهو يقول: ”أوجب طلحة”. 

لم ينشر الدين ناقد أو متفرج أو مخالف, فإن لم تستطع أن تفعل ما فعلوا فلا تنتقد حب المحب لحبيبه دون أن تشعر بطوفان ذلك الحب.

أما منظرو الديمقراطية وحق التعبير وحرية الرأي, فلهم أقول: أخطأتم التفسير, فإن كانت الدنمارك دولة ليبرالية علمانية, ودقت عنق اقتصادها مقاطعة بني الإسلام وجعلت رئيس وزرائها يأتي معتذرا, فأمريكا لم تكن في تاريخها بهذا الكم من الليبرالية والتحرر، لأنها دولة أكثر تدينا من كل أوروبا, ولو كان الفلم يسيء إلى المسيح – عليه السلام – لكسرت أمريكا الدنيا بسببه, ولأنها دولة تخشى اليهود والصهاينة فسينتفض كونجرسها وكل نوابها لمنع ما يؤذي مشاعر اليهود في نبيهم – عليه السلام – أو محرقتهم ”المزعومة”, أم أننا نسينا أنهم أقروا عقوبات قاسية على كل دولة لا تعترف بالمحرقة المزعومة. ولا يغرنكم كلام كلينتون فهي تعتقد أنها تستطيع أن تضحك على كل الناس, ونحن على وجه الخصوص.

قضية الخوف من تهمة الإرهاب التي نعانيها, وأصبحت ”فزاعة” يستخدمها كل من يريد أن يسكتنا, هي نتاج غربة الدين التي وعد بها رسول الله. 

لكننا سنبقى تحت هذه المقصلة ما دمنا ساكتين عن المطالبة بحقوقنا, وما دام الكثير منا يتهمون بعضهم بالإرهاب، بسبب اختلاف المذهب أو المرجعية, وما دام الإعلام غير قادر على تعرية السلوكيات التي تهين المسلمين وتدفعهم للتصدي لمن يعتدي على شرفهم ودينهم وأعراضهم. 

إن الإرهاب الذي نتهم به هو وليد الظلم الذي يعيشه المسلم من قبل من يحكمونه, ومن قبل من يحاربونه من أعداء الدين, ومن يحاولون أن يستغلوا ثروات أرضه ويصلوا من خلاله لتحقيق أهداف استراتيجية شرق الأرض وغربها.

التعبير عن الغضب بوسائل شتى لا ينطوي – بالضرورة – على ما يرضي أعداءنا أو ما يوافقون عليه. نحن نستمد أخلاقياتنا ومبادئنا التي تحكم حياتنا من نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد – صلى الله عليه وسلم, ونستمد أساليب التعبير عن حبنا لنبينا من أولئك الذين أكرمهم الله بصحبته ورؤيته والجهاد معه. 

الصراخ والمطالبة والانطلاق لإثبات أننا لا نرضى بالإساءة, الكتابة ضد هذه الجريمة, رفع الدعاوى ضد كل هذه الدول التي سمحت بعرض الفيلم ورفع الدعاوى المدنية ضد كل من شارك في ظهور هذه الصورة المسيئة للرسول – صلى الله عليه وسلم, مقاطعة الفيلم وعدم مشاهدته والعمل على إلغائه من كل مكان يمكن أن يعرض فيه, كل هذه حقوق مشروعة للمواطن المسلم المحب لنبيه.

يبقى أن أذكر بالآية الكريمة التي تقول: ”ولا تزر وازرة وزر أخرى”, فرفضنا واحتجاجنا يجب ألا يطول التخريب والهدم والتكسير والحرق والاعتداء على أشخاص لا علاقة لهم بالفيلم, وإلا فنحن نجاري ظلم أولئك الذين يقتلوننا على الهوية. 

إن الوقوف الرافض أمام سفارات هذه الدول بطريقة حضارية يؤدي لتحقيق المطالب أكثر من الاعتداء على من بداخلها, ويمكن أن يتفق علماء ومفكرو ومتخصصو الأمة في مجالات الدين والسياسة والقانون, على وسائل أخرى تحقق رفض مهزلة كهذه, أو عودة ظهورها في المستقبل.

————-

نقلاً عن الاقتصادية

-- علي الجحلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*