الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مراكز البحث الغربية وشؤون العرب والمسلمين

مراكز البحث الغربية وشؤون العرب والمسلمين

من الصعوبة بمكان اليوم تمرير أفكار واستنتاجات حتى وإن كانت من أكثر المراكز البحثية استقلالا ونزاهة دون أن يتم وضعها في قالب الفرز والاصطفاف الديني أو المذهبي أو السياسي الذي يجتاح العالم العربي اليوم ومعه أغلب الأمصار، التي يكون المسلمون غالبية فيها.

العالم العربي يمر الآن في مخاض عسير يشبه في كثير من مناحيه وضع أوروبا في القرن الخامس عشر بعد سقوط آخر معاقل الحضارة العربية في الأندلس. قد لا يعرف الكثير من العرب والمسلمين إلا أن أركان الحضارة الغربية استندت في أغلبها إلى ما تركه العرب والمسلمون وراءهم من علم ومعرفة في إسبانيا والبرتغال.

وأكثر الأدلة شخوصا على أن العرب في الأندلس كانوا على وشك اتخاذ الخطوات الأولى صوب الحضارة والمدنية الحديثة من صناعة واكتشافات وفن وغيره كانت الخرائط والخطط والكتب، التي تركوها في مكتباتهم في قرطبة وغيرها من الحواضر لولوج المحيطات واكتشاف ما وراءها وبناء سفن حديثة ووسائل اتصال وقتال ومواد منزلية ومنها محاولات حثيثة للطيران.

الأوروبيون حاولوا البناء على ما خلفته لهم هذه الحضارة، إلا أنهم اصطدموا بسلطة ومؤسسة دينية متخلفة وذات عقلية حجرية لا تتورع عن حرق معارضيها وهم أحياء، وتحكم على من يخالف أبسط أوامرها بالبكاء وصرير الأسنان في الجحيم بعد الموت.

وصار الكثير من المثقفين يخشون الكتابة أو الظهور العلني، لأن أي رأي أو موقف كان يفسر ضمن الاصطفاف المذهبي والفكري، الذي قسم الناس إلى صنفين ـــ أشرار وأخيار ــــ وكل صنف وصفّ يرى ذاته خيرا والآخر شرا.

وأكثر من قاسى من بطش هذه المؤسسة كان العلماء، وقصص قتلها أو تعذيبها أو سجنها لكبار العلماء والمفكرين، لأن استنتاجاتهم العلمية والفكرية والبحثية تخالف فكرها الديني المتخلف، ما زال الطلبة هنا في أوروبا يقرأونها ضمن مناهجهم الدراسية.

لا يمكن اختصار ما حدث في المساحة المخصصة لمقال واحد، ولكن النهضة الأوروبية لم تكتمل إلى أن جردت المدنية والحداثة وأنصارهما الكنيسة من سلطتها، وأسست لدساتير تستند إلى الأخلاق الإنسانية والعقل وليس على القيم الدينية. وصارت الناس في هذه الدول تتمتع بحريات ومَدَيات فكرية، وأفق إنسانية تسمو على القيم الدينية المؤسساتية.

وصارت تلبية ما تريده الناس والتفكير العميق في مستقبلهم ومستقبل أجيالهم تأتي في مقدمة اهتمامات الإدارات الحاكمة والمعارِضة ــــ المعارَضة هي لتقديم الأفضل وليسب لتهميش وإلغاء وإقصاء الآخر ـــ واندثرت الانقسامات والصراعات، التي كانت تعرقل النهوض واضمحل دور المؤسسة الدينية وفقدت بريقها وهي اليوم بمثابة نقابة تمثل مهنة بضاعتها كاسدة لأن لا طلب أصلا عليها.

وخرجت مراكز البحث العلمي، التي هي أساس التطور الصناعي والحضاري، من شرنقة المؤسسة الدينية، وما يتبعها من فرز واصطفاف. فالمراكز البحثية الغربية هدفها الأساسي خدمة مجتمعاتها أولا وأخيرا، وإن كانت المواضيع التي تتطرق إليها تخص بلدانا ومجتمعات أخرى.

أقول كل هذا كي لا يُساء تفسير التقرير الخطير من قبل مجموعة سيتي ـــ موضوع جمعتنا الفائتة ــــ حول إمكانية تحول المملكة إلى بلد مستورد للنفط بعد 20 سنة من الآن إن بقي استهلاك الطاقة وبنية الاقتصاد على ما هي عليه الآن.

التقرير لم يكن موجها للعرب ولا لبلد الحرمين. التقرير موجه لأصحاب القرار في الغرب وأمريكا. كل ما لدي من معلومات أن هؤلاء أخذوا التقرير على محمل الجد وقد اتخذوا خطوات حثيثة في هذا الاتجاه منها اقتصادية وتنموية وبحثية وجيوبولتيكية وهم صوب الهدف سائرون.

وهم لا يكترثون إن كان العرب يرون فيه مؤامرة أو وسيلة أو غاية أو جزءا من الحرب العالمية على العرب والمسلمين أو عدم إحكام المنطق في كتابته.

————-

نقلاً عن الاقتصاية

-- ليون برخو

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*