الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مغالطات أنصار الشريعة المغربية وخطورة حركتهم

مغالطات أنصار الشريعة المغربية وخطورة حركتهم

أصدر جزء من سلفي المغرب ، يوم 7 شتنبر 2012 ، “ورقة مذهبية” تكون الإطار المرجعي لتجميع عناصر هذا التيار وتأطيرهم ضمن هيئة سياسية/دعوية تحمل اسم “تنسيقية أنصار الشريعة بالمغرب” ، على غرار التشكيلات السلفية المماثلة التي ظهرت  في كثير من الدول آخرها تونس وليبيا . 

ويميز هؤلاء تجربتهم عن غيرها كالتالي ( وأن تجارب أنصار الشريعة بكل من اليمن والسعودية وليبيا وتونس، على ما بينها من تباين واختلاف، لا يمكن إسقاطها على واقعنا شرعا وعقلا، فأنصار الشريعة باليمن رأت الخروج على الحاكم، وفي ليبيا انضمت للثوار، أما في تونس فهي جماعة دعوية، وفي السعودية جمعية خيرية، وكل ينصر الشريعة من موقعه بما يراه صوابا ). 

ولا شك أن أنصار الشريعة باتوا يشكلون تهديدا مباشرا للأمن والاستقرار ، وخطرا على الحقوق والحريات الفردية والجماعية  في تونس وليبيا وسيصل الدور إلى المغرب إذا لم تحزم الحكومة التعامل معهم وفق القوانين الجاري بها العمل. 

وهذا ما أدركته ــ متأخرة ــ حكومة تونس التي تقودها حركة النهضة الإسلامية ، حيث جاء على لسان الشيخ الغنوشي ، زعيم النهضة ، أن السلفيين الجهاديين ، ويقصد أساسا “أنصار الشريعة”  يشكلون “خطرا” على تونس وانه يجب على الدولة التونسية ان تتعامل بحزم بعد الهجوم على السفارة الأميركية، الذي أدى إلى سقوط 4 ضحايا وإصابة 49آخرين. 

وقال في مقابلة مع وكالة “فرانس بريس”  “في كل مرة تتجاوز فيها احزاب او مجموعات بطريقة واضحة الحرية، يجب اعتماد الحزم والإصرار على فرض النظام”. وأضاف الغنوشي “هؤلاء الناس يشكلون خطرا ليس فقط على النهضة وإنما على الحريات العامة في البلاد وعلى أمنها. ولذلك نواجه جميعنا هذه المجموعات لكن بطرق تحترم القانون”. وقال الغنوشي “لما تجاوزوا القانون الجمعة الماضي وأرادوا أن يهددوا صورة تونس ومصالحها وقوانينها تصدت لهم الدولة وقتلت واعتقلت منهم” . وبالتأكيد لا تختلف “تنسيقية أنصار الشريعة” في المغرب عن مثيلاتها في تونس وليبيا . وتأسست  الورقة المذهبية لهذه التنسيقية على جملة من المغالطات والمخاطر  يمكن إجمالها في التالي :

1 ـ الادعاء بأن “الإسلام في خطر” وأن  التنسيقية جاءت لإحياء (ما انْدَرس من آثاره وتبين ما اندثر من أحكامه ..  للمساهمة في نصرة هذا الدين، وإرجاع الشريعة لمكانتها الحقيقية التي تليق بها ). وهذا اتهام مباشر لإمارة المؤمنين بالتخلي عن مسئوليتها التاريخية والدستورية في حماية الملة والدين ، وتطاول على اختصاصاتها. وما هذا الادعاء إلا مقدمة للإجهاز على أسس الدولة والنظام والمجتمع القائمة على الانفتاح والتعددية والاختلاف والتسامح .

2 ـ ادعاء الوسطية  والاعتدال دون غلو أو تشدد ، حيث ورد في الورقة ( ننطلق من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن مصادر الفهم والتلقي وآليات الاستنباط والاستدلال والتنزيل لديها، في التعاطي مع كل القضايا والمفاهيم والمستجدات المطروحة، دون غلو أو تفريط أو إفراط ، أو تمسح أو تملق أو تنطع أو تشدد، أو جمود متحجر أو واقعية متميعة). وهذا يتنافى والدعوة إلى الفكر الواحد والرأي الأوحد في التعامل مع قضايا الدين والدولة والمجتمع . ذلك أن الحركات الدينية تدعى كلها الانطلاق من عقيدة “أهل السنة والجماعة” ، فمنها من يقتل باسم هذه العقيدة ،ومنها من يحرم الحوار بين الأديان ؛ فيما حركات دينية أخرى  تنطلق من نفس العقيدة وتدعو إلى التسامح والانفتاح وتقبل بالتعدد والاختلاف وبقيم الديمقراطية  . فتنظيم القاعدة يرتكب جرائمه باسم عقيدة أهل السنة والجماعة ، وباسم الدفاع عن الإسلام والمسلمين ؛ وفي المقابل توجد جماعات إسلامية كبيرة نجحت في تقديم نماذج حية على إمكانية التوليف بين تعاليم الإسلام والفكر السياسي الغربي.بل شاركت في تعزيز التعددية الدينية، وإرساء حرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان ، وكذا في إشاعة قيم الديمقراطية .مما جعل عددا من الباحثين يعتبر هذه التنظيمات المنفتحة  تقدم نوعا من “الإسلام التقدمي” .فليس كل من يدعي الوسطية والاعتدال هو كذلك . كما أن السلفية الحقيقة يوجهها حب الله تعالى ورسوله الكريم في القول والعمل ، فتنأى بأتباعها عن كل ما يسيء إليهما . وقتل الأبرياء أو التحريض عليه هو أكبر معصية لله ولرسوله .

أما خطورة هذه التنسيقية فتشمل النظام والدولة والمجتمع ، وهذه أبرز تجلياتها :

أ ـ جر المجتمع إلى حرب طائفية باسم محاربة “العلمانية”، حيث أعلنت الورقة المذهبية عن عقيدتها وهي  ( أن العلمانية على اختلاف راياتها ومسمياتها وأحزابها المعمول بها في بلدان العالم الإسلامي .. هي كفر بواح ومروق ظاهر من الدين) . ومن ثم تقرر ( فالعلمانية ودين الله لا يلتقيان، ولا يتعايشان، ولا يجتمعان في قلب امرئٍ أبدا.ً) . وهذا تحريض صريح ومباشر على تكفير فئة من المواطنين وقتلهم . في المقابل ، ولبيان أهمية الاجتهاد والاعتدال  .

ب ـ اعتماد العنف قاعدة ثابتة أما السلم فهو استثناء ومرحلي وليس قناعة ومنهجا . وهذا ما شددت عليه الورقة المذهبية كالتالي (لذلك نؤمن في هذه المرحلة وهذه الظرفية بالعمل السلمي ) . أما المرحلة القادمة ، وحين تصبح التنسيقية “قوة” ، فسيكون العنف عنوانها وسمتها . 

فالعنف أسلوب مطلوب لأنه يشكل  أساس عقيدة التشدد والغلو لدى كل التيارات المتطرفة ، والأسلوب الوحيد للتغيير . 

ولا شك أن تأجيل اللجوء إلى العنف ليس مراجعة للعقائد أو تراجعا عنها ، بقدر ما هو تكتيك تمليه الظروف الحالية التي لا تسمح لأقلية متشددة تفرض تصورها للدين وللمجتمع ولنظام الحكم باعتماد القوة والعنف . لهذا يكون تأجيل اللجوء إلى العنف ضرورة وليس اختيارا . وهذا أسلوب مخالف لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ، ونهج أعمى وأصم لم يستفد من تجربة جماعات العنف الديني في مصر التي تخلت عن عقائد القتل والتكفير بعد مراجعات مسهبة جعلتها تقبل الانخراط السلمي في العملية السياسية إلى جانب كل الأحزاب على اختلاف مشاربها . 

ج ـ  اختراق المجتمع عبر كل المنافذ والسبل ، وفي مقدمتها ( الوسائل والآليات التي سنعتمد عليها في عملنا فكل وسيلة وآلية نافعة غير محظورة في الشرع، كمنابر المساجد والدروس والتجمعات والملتقيات وتوزيع الكتب والمنشورات والاستعانة بكل ما أمكن من وسائل الإعلام مقروءة أو مسموعة أو مشاهدة، وسنستغل هذا الهامش من الحرية الذي أتاحته ثورات الربيع العربي). 

وخطورة هذا النهج أنه يستهدف خطة الدولة لهيكلة الحقل الديني وحمايته من الخارجين على المذهب المالكي وكل تيارات الغلو والتطرف . الأمر الذي سيفرض على الحكومة ، بحكم مسئوليتها الدستورية والوطنية لضمان وتوفير الأمن الروحي للمغاربة ، أن تفرض احترام القوانين والأنظمة الجاري بها العمل في مجال الخطب المنبرية والنشر والدعوة والتجمعات حتى لا تفتح فرصة العبث بأمن المغاربة واستقرارهم ، أو التطاول على رموزهم الدينية أو الوطنية أو الثقافية .

د ـ إن “تنسيقية أنصار الشريعة” تنطلق من معاداة الواقع السياسي والمؤسساتي وتكفير هيئاته الحزبية وأطره الفكرية والثقافية دون أن تبذل أدنى جهد فكري لاستيعاب حركيته التي أفاءت على التنسيقية نفسها بهامش من الحرية أرادت استغلاله لفرملة وتقويض هذه الديناميكية التي سرّع من وتيرتها “الربيع العربي” (وسنستغل هذا الهامش من الحرية الذي أتاحته ثورات الربيع العربي، والذي لا ننكر أن بلدنا يتنسم بعض نسائمه) . 

ومن يقبل بالعمل السياسي عليه الالتزام بقواعده القانونية والدستورية .

لا شك أن مشاريع تخريبية من هذا النوع الذي يتهدد المشروع المجتمعي الذي تجمع عليه القوى السياسية الحية والفاعلة في المغرب ، تستوجب اليقظة والحزم في التعامل معها بما يمليه الواجب الوطني والديني والأخلاقي من أجل حماية أمن المغاربة وضمان استقرارهم. 

ذلك أن المغاربة في غنى عن الدعوات التخريبية والطائفية ، وقد ألقوا بها خارج دائرة تطلعاتهم وسعيهم الحثيث إلى بناء أسس تنمية مستدامة واقتصاد قوي يلبي حاجيات المواطنين في الشغل والتعليم والصحة  والسكن اللائق والكرامة والمساواة. 

فما كانت الطائفية وفتاوى التكفير وثقافة الكراهية تنتج خبزا للجائعين أو شغلا للعاطلين أو دواء للمرضى أو سكنا للمشردين ،بقدر ما كانت طامة كبرى جرّت شعوبا إلى الاقتتال وإشاعة الموت والدمار .

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*