السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » توقير العلماء وعدم متابعتهم في الأخطاء

توقير العلماء وعدم متابعتهم في الأخطاء

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين، وعلى من اهتدى بهديه واستن بسنته الى يوم الدين، وبعد: فالعلماء ورثة الأنبياء، وهم عدول الأمة في كل عصر وخيار الناس وأبصرهم بالحق وأقوهم به، وهم مرجع الناس في معرفة دينهم فموالاته على الحق واجبة والتأسي بهم في الدين سبيل نجاة وتوقيرهم واحترامهم سنة متبعه وقد كان السلف رضي الله عنهم في معاملة العلماء على أكمل هدي قد اتسم منهجهم في معاملة العلماء بحفظ أصلين عظيمين يمثلان الاعتدال في معاملة العلماء والتوسط بين أهل الغلو والجفاء.

فالأصل الأول: هو توقير العلماء واحترامهم، لما شرفهم الله به من العلم وما خصهم به من الفضل.

والأصل الثاني: تجنب زلاتهم وعدم متابعتهم في أخطائهم.

ومما نقل عنهم في تحقيق الأصل الأول وهو توقير العلماء واجلالهم.

عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ ان أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ ان أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَه» صحيح البخاري (6/156).

وعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: ذَهَبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لِيَرْكَبَ وَوَضَعَ رِجْلَيْهِ فِي الرِّكَابِ، فَأَمْسَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالرِّكَابِ، فَقَالَ: تَنَحَّ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: «لَا هَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءُ» الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (197/2).

وعن يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: «رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَكَانَ بِأَصْحَابِهِ مِنَ الْاعْظَامِ لَهُ وَالتَّوْقِيرِ لَهُ، وَاذَا رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ صَاحُوا بِهِ، وَكَانَ الَى الْأُدْمَةِ مَا هُوَ .الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (182/1).

وعن يحيى بن يحيى قال: «أخذت بركاب الليث فأراد غلامه ان يمنعني فقال الليث: دعه ثم قال لي: خدمك العلم قال: فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك». سير أعلام النبلاء (8/518).

وعن ادْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: قَالَ لِي سَلَمَةُ بْنُ عَاصِمٍ: أُرِيدُ ان اسمعَ كِتَابَ الْعَدَدِ مِنْ خَلَفٍ، فَقُلْتُ لِخَلَفٍ: قَالَ: فَلْيَجِئْ، فَلَمَّا دَخَلَ رَفَعَهُ لِأَنْ يَجْلِسَ فِي الصَّدْرِ، فَأَبَى، وَقَالَ: لَا أَجْلِسُ الَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَقَالَ: هَذَا حَقُّ التَّعْلِيمِ، فَقَالَ لَهُ خَلَفٌ: جَاءَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَسْمَعُ حَدِيثَ أَبِي عَوَانَةَ، فَاجْتَهَدْتُ ان أَرْفَعَهُ، فَأَبَى وَقَالَ: «لَا أَجْلِسُ الَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، أُمِرْنَا ان نَتَوَاضَعَ لِمَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْهُ». الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (198/1).

وقال الربيع صاحب الشافعي رحمهما الله: «ما اجترأت ان أشرب الماء والشافعي ينظر الى هيبة له» [التبيان في آداب حملة القرآن (ص: 47)].

وعن محمد بْن حمدون بْن رُسْتُم: سَمِعْتُ مُسلْمِ بْن الحَجّاج يَقُولُ للبخاري: «دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله».[تاريخ الاسلام (19/147).

هكذا كان السلف يعاملون علماءهم بهذه الاخلاق الرفيعة وعلى هذا القدر الكبير من التبجيل والتوقيرمع اظهار المحبة والمودة والتواضع بين يدي الشيخ فنالوا بهذا الفضل العظيم.

فهؤلاء التلاميذ الذين ننقل أخبار تأدبهم مع شيوخهم في حال الطلب هم أئمة المسلمين بعد ذلك تواضعوا للعلم فرفعهم الله واجتهدوا في الطلب ففقهم الله.

ومما جاء عنهم من الأقوال في الحث على توقير العلماء واحترامهم قول على رضي الله عنه: «من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال، ولا تعنته بالجواب وأن لا تلح عليه اذا كسل ولا تأخذ بثوبه اذا نهض، ولا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته، وان زل قبلت معذرته، وعليك ان توقره وتعظمه لله ما دام يحفظ أمر الله، ولا تجلسن أمامه وان كانت له حاجة سبقت القوم الى خدمته».جامع بيان العلم وفضله (519/1).

وقال رضي الله عنه: «من حق العالم عليك اذا أتيته ان تسلم عليه خاصة وعلى القوم عامة وتجلس قدامه، ولا تشر بيديك، ولا تغمز بعينيك، ولا تقل: قال فلان خلاف قولك، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه في السؤال، فانه بمنزلة النخلة المرطبة لايزال يسقط عليك منها شيء».[جامع بيان العلم وفضله (580/1)].

وقال طاوس، عن أبيه قال: «من السنة ان يوقر العالم»، وقال ابن عبد البر: «وحقيق على من جالس عالما ان ينظر اليه بعين الاجلال وينصت له عند المقال وأن تكون مراجعته له تفهماً ولا تعنتاً وبقدر اجلال الطالب للعالم ينتفع بما يفيد من علمه». جامع بيان العلم وفضله (1/519).

وقال الخطيب: «وَاذَا خَاطَبَ الطَّالِبُ الْمُحَدِّثَ عَظَّمَهُ فِي خِطَابِهِ بِنِسْبَتِهِ ايَّاهُ الَى الْعِلْمِ، مِثْلَ ان يَقُولَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَالِمُ، أَوْ أَيُّهَا الْحَافِظُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ».الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (182/1).

وقال النووي: «عليه ان ينظر الى معلمه بعين الاحترام ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته فانه أقرب الى انتفاعه به».التبيان في آداب حملة القرآن (ص:47).

وقال ابن الصلاح: «ينبغي للمستفتي ان يحفظ الأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وسؤاله، ونحو ذلك ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا وكذا؟ وما مذهب امامك الشافعي في كذا وكذا؟ «ولا يقل» اذا أجابه: هكذا قلت أنا، «أو» كذا وقع لي، ولا يقل له: أفتاني فلان، أو أفتاني غيرك بكذا وكذا.ولا يقل اذا استفتى في رقعة: ان كان جوابك موافقًا لما أجاب فيها فاكتبه، والا فلا تكتب» [أدب المفتي والمستفتي ص: 168)].

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ على الصُّورِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ سَعِيدٍ الْحَافِظَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ: مُحَمَّدَ بْنَ على الْأَدْفَوِيُّ النَّحْوِيُّ، يَقُولُ: «اذَا تَعَلَّمَ الْانْسَانُ مِنَ الْعَالِمِ، وَاسْتَفَادَ مِنْهُ الْفَوَائِدَ، فَهُوَ لَهُ عَبْدٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} [الكهف: 60]، وَهُوَ يُوشَعُ بْكنُ نُونٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ، وَانَّمَا كَانَ مُتَلْمِذًا لَهُ، مُتَّبِعًا لَهُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ فَتَاهُ لِذَلِكَ «الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (197/2).

والأصل الثاني: تجنب زلاتهم وعدم متابعتهم في أخطائهم.

وقد نبه أئمة السلف والعلماء بعدهم على هذا الأصل فمما جاء عنهم في ذلك: قول زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ لي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الاسْلاَمَ؟ قَالَ قُلْتُ: لاَ.قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ.أخرجه الدارمي بسند صحيح- برقم (214)، (649).

وعن الحسن، قال: قال أبو الدرداء: ان فيما أخشى عليكم: زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق.جامع بيان العلم وفضله (2/223)..

وقال معاذ بن جبل: «يا معشر العرب، كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلة عالم، وجدال منافق بالقرآن.فسكتوا، فقال: أما العالم فان اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وان افتتن فلا تقطعوا منه أناتكم، فان المؤمن يفتتن ثم يتوب، وأما القرآن فله منار كمنار الطريق لا تخفى على أحد فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه وما شككتم فكلوه الى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله الغنى في قلبه فقد أفلح ومن لا فليس بنافعته دنياه».جامع بيان العلم وفضله (2/224).

وقال ابن عباس: «ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه فيترك قوله ذلك ثم تمضي الأتباع».جامع بيان العلم وفضله (2/226).

وقال يحيى بن سعيد القطان: «لو ان رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع يعني الغناء وأهل مكة في المتعة كان به فاسقا» مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبدالله (1/449).

وقال رجل للامام أحمد: «ان ابن المبارك قال كذا، فقال: ان ابن المبارك لم ينزل من السماء» الفروع لابن مفلح (16/11).

وقال ابن عبد البر: «وشبه الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة، لأنها اذا غرقت غرق معها خلق كثير.واذا صح وثبت ان العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد ان يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه».جامع بيان العلم وفضله (2/225).

وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: «وليس لأحد ان يتبع زلات العلماء، كما ليس له ان يتكلم في أهل العلم والايمان الا بما هم له أهل، فان الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطئوا، كما قال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا﴾ قال الله قد فعلت، وأمرنا ان نتبع ما أنزل الينا من ربنا ولا نتبع من دونه أولياء، وأمرنا ألا نطيع مخلوقا في معصية الخالق» الفتاوى الكبرى (473/4).

وقال ابن القيم: «ان العالم قد يزل ولابد اذ ليس بمعصوم فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم….ومن المعلوم ان المخوف في زلة العالم تقليده فيها اذ لولا التقليد لم يخف من زلة العالم على غيره.فاذا عرف أنها زلة لم يجز له ان يتبعه فيها باتفاق المسلمين فانه اتباع للخطأ على عمد ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه وكلاهما مفرط فيما أمر به» اعلام الموقعين (2/192).

وقال الشاطبي: «ان زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بهاتقليداً له وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدة زلة، والا فلو كانت معتداً بها لم يجعل لها هذه الرتبة ولا نسب صاحبها الى الزلل فيها». الموافقات (5/136).

وقال شهاب الدين القرافي: «كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فيه فتواه على خلاف الاجماع أو القواعد أو النص، أو القياس الجلي، السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده ان ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى». الفروق (197/2).

فبحفظ هذين الأصلين يتحقق الخير بطرفيه، وهما التجرد للحق واحترام أهل العلم، وتحصل السلامة من الفتنتين العظيمتين التي ابتلي بها خلق كثير قديماً وحديثاً وهما رد الحق بزلات العلماء أو الطعن في العلماء بدعوى التجرد للحق، والموفق من وفقه الله وهداه.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.

———————–

نقلاً عن الوطن الكويتية

-- الشيخ الدكتور ابراهيم بن عامر الرحيلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*