الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حين ترفضُ الشعوبُ العربية “الجماعات المسلحة”

حين ترفضُ الشعوبُ العربية “الجماعات المسلحة”

عندما خرج الآلاف في جمعة إنقاذ بنغازي هاتفين “ليبيا.. ليبيا”، لم يكتفوا بطرد المسلّحين فقط، بل أكدوا أن المظاهرة جاءت لتصحيح مسار الثورة

حين تُسمّي مجموعةٌ نفسها «أنصار الشريعة»، وحين تَطرح نفسها باسمها وشعاراتها على أنها تحمي حمى الإسلام، وحين يخرج ثلاثون ألف مواطنٍ في مظاهرةٍ سلمية مطالبين بطردها من المدينة، وحين يتحقق هذا بعد سقوط أربعة شهداء وسبعين جريحًا، وحين يجري هذا كله في ليبيا، فإن كثيرًا من الانطباعات والأفكار السائدة تصبح بحاجةٍ لتفكيرٍ وإعادة نظر.

من المفيد كخلفيةٍ للموضوع الاستشهادُ هنا برؤيةٍ نافذةٍ طرحها الدكتور وليد سيف في دراسةٍ سابقة له قبل أن نقوم بالتعليق. يقول الدكتور: «بالمعاني والمفاهيم يتمثل العالم في وعينا.. والتفاعل الاجتماعي والإنساني ليس ممكنا بغير منظومات المعاني والمفاهيم المشتركة التي نُعرّف بها الأشياء والوقائع، ونُؤوّل بها المواقف، ونبني بها روايتنا عما جرى ويجري.. ومن ثم فإن تأويلاتنا وتعريفاتنا للأشياء والوقائع يمكن أن تتضارب بتضارب الأغراض والمصالح والمقاصد. إذ يسعى كل طرف من أطراف التفاعل إلى استدعاء المعاني التي تخدم أغراضه لتعريف الوقائع والأشياء وتأويلها، ويفاوض بصورة مضمرة أو معلنة لفرض تعريفاته وتأويلاته.. ولكن التنازع على التعريفات والتأويلات لا يجري بصورة متكافئة. هنا تتدخل علاقات القوة بكل تجلياتها المادية والمعرفية والروحية والسياسية، ليتمكن الطرف الأقوى من فرض تعريفاته وتأويلاته وتوصيفاته على عقول الآخرين. وبذا يتمكن من السيطرة على العقول والأفئدة، وتشكيل نظرتها للعالم وإدارة سلوكها واستجاباتها بناءً على ذلك. هكذا يتشكل خطاب القوة Discourse ورواية القوي Narrative. المعاني والخطابات بهذا المفهوم ليست مجرد تمثيل للواقع، بل هي الواقع نفسه كما يتمثل في عالم الوعي والتصورات. وتغيب المسافة بين ثنائية الأسماء والأشياء، أو الدوال والمدلولات، لتصير الأسماء هي الأشياء بقدر ما تتعرف الثانية بالأولى. وبذلك يكون الصراع على المعاني والخطاب هو الصراع على العقول والمدركات، وهو في آخر المطاف الصراع على امتلاك الواقع وتشكيله».

يُسمي الذين طُردوا من بنغازي أنفسهم «أنصار الشريعة»، ويستعملون قوة السلاح وقوة الضجيج لتغييب المسافة بين الاسم والحقيقة، بحيث تتأكد روايتهم في الواقع، وتقتنع الأغلبية الصامتة بأن الرواية هي الحقيقة.. وبمزيجٍ من الجهل والاستعجال وسوء النية، يأتي إعلامٌ غربيٌ وشرقيٌ، معه كتابٌ عابرون يسميهم البعض مثقفين، ليلتقفوا تلك الرواية ويساهموا بفرضها على الواقع العربي كأنها قدرٌ لا مهربَ منه ولا مفرّ.

ساهمت الظروف في أن تنجح هذه «التركيبة» اللغوية/الثقافية بتَبِعاتها السياسية والأمنية والاجتماعية إلى أن جاء الربيع العربي. وها هم البعض هنا وهناك يحاولون بكل طريقةٍ تأكيد استمرارها وهيمنتها على واقع العرب. لكن الوقائع تطرح شيئًا آخر.

كانت ليبيا حتى الآن المثال المفضّل لأصحاب مقولة أن الربيع العربي هو في الحقيقة خريف. وأن المتطرفين والغُلاة استعملوا ملايين المواطنين لإسقاط الطغاة، ثم اختطفوا الربيع ليضعوا مكانهم طُغاةً من نوعٍ آخر.. وفضلًا عن السطحية الكامنة في النظرة المذكورة بخصوص التحولات الثقافية الكبرى التي فرضتها ثورة المعلومات والاتصالات على المجتمعات العربية، فإن فيها درجةً من التعالي والنخبوية والاستخفاف بالشعوب.. ثمة بقايا ضجيجٍ وصخب يقوم به مئاتٌ ممن يعتقدون أنهم يستطيعون احتكار قضايا الشعوب بعد اختزالها في بضعة شعارات، لكن هؤلاء لا يُشكّلون قطرةً في مُحيطٍ بشري بدأ يُدرك ما أنجزه، ويُنظّم نفسه للحفاظ على هذا الإنجاز. ستتطلب العملية شيئًا من الوقت بعد عقود التهميش. إلا أن الربيع العربي حقّقَ تحديدًا ما ذكره وليد سيف حين قال: «ولكن خطاب القوة والسيطرة يخلق شرط الإمكان لتشكُّل خطابات المقاومة، في لحظات تاريخية مفصلية، تتمكن فيها الأطراف المقهورة من التحرر من إكراهات الخطاب السائد وكشف آليات التحكم والسيطرة التي يمارسها».. فبعد أن دفعت الشعوب ثمنًا غاليًا للتحرر من إكراهات الخطاب الديكتاتوري السياسي السائد، بات مُحالًا عليها أن تقبل بإكراهاتٍ تدخل في نفس الإطار ولو تغيرت شعاراتها. وها هي تُثبت ذلك في ليبيا نفسها أكثر من أي مكانٍ آخر.. لم يخفَ على الليبيين أنهم، كشعب، دفعوا الثمن الأكبر في ثورتهم ضد الطاغية، لكنهم كانوا يُقدّرون دور «الثوار» المسلحين في الخلاص منه. من هنا، صبروا على ظاهرة السلاح والمسلحين. وفي حين بقي احترامهم قائمًا لمن أدرك دوره من هؤلاء وعاد للانخراط في منظومة بناء الدولة بشكلٍ أو بآخر، إلا أن صبرهم نفد مع الذين تجاوزوا ذلك الدور، حتى لو سمّوا أنفسهم «أنصار الشريعة».

وعندما خرج الآلاف في «جمعة إنقاذ بنغازي» هاتفين «ليبيا.. ليبيا» و»دم الشهداء ما يمشيش هباء» ورافعين لافتة تقول: «الدم الذي نزفناه من أجل الحرية لن يضيع سدى»، لم يكتفوا بطرد المسلّحين فقط، بل أكدوا أن المظاهرة جاءت لتصحيح مسار الثورة والمطالبة بدعم المؤسسات الرسمية، وأصدروا بيانًا طالبوا فيه المؤتمر الوطني العام بإصدار تشريع يُجرّم التشكيلات المسلحة، ويُقنِّن حمل السلاح، وسحب جميع الاختصاصات الممنوحة لأي تشكيلٍ مسلح.. وإذا كان الليبيون قد فعلوا هذا، فسيكون من الظلم لتاريخ سوريا وحضارتها الاعتقاد بأن شعبها سيكون أقل وعيًا وإدراكًا لما فيه مصلحة ثورته الحقيقية، ولكيفية تحقيقها في نهاية المطاف. 

waelmerza@hotmail.com

———————

نقلاً عن المدينة

-- د. وائل مرزا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*