الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مركزية إسرائيل في قراءة أحداث الشرق

مركزية إسرائيل في قراءة أحداث الشرق

إغراق المنطقة بالكانتونات الطائفية والعرقية، وإثارة النعرات المذهبية التي تخلق حالة العداء هي جزء من مخطط الاختراق الصهيوني والصفوي في المنطقة الإسلامية، ولن تتم مباركة أي تغيير سياسي إلا إذا كان ضمانة لأمن إسرائيل

لا يمكن لأي قراءة لما يجري في العالم الإسلامي من أحداث أن تحيد عن مشهد الدولة المسخ التي أصبحت نبتة غريبة في أرض لا يمكن أن تعيش فيها، فهي ليست دولة منفردة عن العالم، بل هي مندوب دائم ومركزي للسياسة الغربية ـ وخاصة الولايات المتحدة ـ في المنطقة، بل إن التأكيد على سلامتها وأمنها هو شعار لكل مرشح رئاسي في الولايات المتحدة الأميركية، والعلاقة بينها وبين أميركا علاقة تبادلية، فإن كان التيار الصهيوني متحكما في سياسة أميركا، فإنه كذلك يتحكم بالدعم الكامل لإسرائيل الدولة، وتعتبر بالنسبة له خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه أو تركه يواجه مصيره في المنطقة منفرداً وحيداً.

إن إسرائيل تشعر أنها دولة غير طبيعية، وترى أنها تعيش في سياق غير سياقها، وحضارة لا تمت إليها بصلة، ودين يختلف عن نسيج المنطقة، وثقافة مغايرة تماماً للدول المجاورة، وهي في نفس اللحظة ترى أنها تعيش بين دول متربصة تنتظر الفرصة للانقضاض، فهي كالهر أمام دول مستأسدة ربما تتجرأ في كل لحظة على الانقضاض والفتك، ولا بد من وضع كل التدابير اللازمة لتأجيل هذا الصراع مع الدول المجاورة، وخاصة أنها ليست خالية من قراءة لاهوتية ترى أنها على موعد مع يوم الخلاص، وإهلاك الأميين لها في أي لحظة، وهو موافق لما عند المسلمين من موعود الله لهم بالتمكن من المحتلين الغاصبين بعد أن يأتوا في كرتهم التالية: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا، ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا، إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مره وليتبروا ما علوا تتبيرا)، وقوله تعالى: (فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً)، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث نهيك بن صريم: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود على ضفاف نهر بالأردن، أنتم شرقيه وهم غربيه). وهم يعلمون علم اليقين أن بقاءهم في مكان أخذوه عنوة واحتلوه وشردوا أهله وأعملوا بهم قتلاً وتنكيلاً على مدار الستين سنة الماضية لن يدوم، وأنهم مجتمع ملفق غير قابل للبقاء والعيش، وأن أهل الأرض يعشقون التحرير والموت كما يعشق اليهود الحياة والذهب والدراهم، فإن كانت هذه الحالة فلا بد أن يعملوا كل تطورهم وتقنيتهم واستخباراتهم وأموالهم واختراقهم للغرب، وقدرتهم على التأثير في الناس، واستحكامهم بالإعلام العالمي وأن يهيئوا كل السبل للمواجهة الناعمة والخشنة، وأن يفعلوا كل التدابير التي من خلالها يقضون على خصومهم بالوكلاء الذين يتسللون إلى هؤلاء عبر وسائل مختلفة ليحموا ظهرها من عدوها، ويضعفوه من داخله، ويفتتوا قوته، ويكيدوا له المكائد حتى ينشغل بنفسه عن عدوه اللدود.

إن من الأمثلة الماثلة للعيان على هذه التدابير والترتيبات الغريبة أن إسرائيل كانت قلقة جداً بشأن العراق، وترى أنه مصدر تهديد وإزعاج كبير، وما هي إلا سنوات معدودة حتى قضي على العراق، وأنهيت فاعليته في الشرق الإسلامي – السني – وسلم لإيران ليكون محافظة تابعة لها، وإسرائيل تعلم أن إيران لا خوف منها البتة، وأن ما يجري من صراع ظاهري يخفي خلفه خططاً أخرى للقضاء على دول أخرى بعد العراق، ودلالة ذلك أنه في الوقت الذي كانت ثورة الخميني تهتف بالعداء لأميركا وإسرائيل كانت التعاملات الأمنية والعسكرية في الخفاء على قدم وساق الأمر الذي عرف بفضيحة “طهرات قيت”، وأميركا تدرك جيداً أهمية أن تبقى إيران قوية في المنطقة لإحداث التوازنات، بل وخلخلة الخطر الإسلامي من خلال خلق الحلف مع الإسلامي الشيعي المعتدل الذي يصرف الأنظار عن القضية الفلسطينية كما ذكر ذلك مارك سلفربرج في كتاب “سدنة الإرهاب”.

إن إغراق المنطقة بالكانتونات الطائفية والعرقية، وإثارة النعرات المذهبية التي تخلق حالة العداء هي جزء من مخطط الاختراق الصهيوني والصفوي في المنطقة الإسلامية، وكل ذلك يصب في مصلحة إسرائيل وأميركا، ولن تتم في المنطقة مباركة أي تغيير سواء جاء عن طريق الثورات الاجتماعية أو عن طريق الانقلابات العسكرية، أو عن طريق الغزو المباشر إلا إذا كان ضمانة لأمن إسرائيل، وهذا يجعل التبعة أكبر في بث الوعي العام، وإعادة الاعتبار لمحورية القضية الفلسطينية، ووجود إسرائيل في المنطقة والتي تسعى لخلخة الأوضاع القائمة، وإغراق المنطقة بصراعات كبيرة، توجه فيها الأسلحة إلى الداخل بدلاً من الخارج، وتقسم الناس إلى طوائف ومذاهب متناحرة أو ما يصح تسميته بـ(لبننة المنطقة) لتكون أوضاعاً قابلة للانفجار أو التفجير في أي لحظة، فيغرق الناس في مشكلاتهم، ويعاقون حضارياً، بينما تعمل إسرائيل على قص الأرض الإسلامية من أطرافها، وتطوير ترسانتها النووية والعسكرية، وتغلغلها في المنطقة من خلال حلفاء جدد يصنعون على عينها وعين أميركا، ومد أذرعتها إلى جنوب أفريقيا، ليتم استحكامها اقتصادياً ومائياً وعسكرياً على المنطقة كلها. 

 ————–

نقلاً عن الوطن اونلاين 

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*