الأحد , 21 ديسمبر 2014
جديد الموقع
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أخرجوهم من قريتكم {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}

أخرجوهم من قريتكم {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}

انتكاس القيم إشكالية في المجتمعات البشرية قاتلة، ومعضلة تفتك بالتجمعات الإنسانية عبر التاريخ..، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى في هذا النص القرآني الكريم حقيقة سلوك من تبدلت فطرتهم واختلفت مفاهيمهم وغلبت عليهم شقوتهم فاعتبروا التطهر الذي هو تعبير عن النهج الإيجابي في الحياة جريمةً عظمى وذنباً لا يُغتفر، والعقوبة في ظنهم إخراجهم من القرية فوجودهم في المجتمع عار!!. 
إن هذا المسلك المشين -وللأسف الشديد- موجود بنسب مختلفة عند بعض منا، إذ إن من بيننا ومعنا من يعتبر تمسك الإنسان بقيمه التي هي من صلب دينه وفيها خير صاحبها ومجتمعه.. يعتبر ذلك تخلفاً ورجعية ولا تتوافق هذه السلوكيات مع إيقاع العصر وفلسفة الحياة فيه، ولذا فهو ينافح ويكافح من أجل أن تسود في قريتنا ثقافة جديدة ترتكز على مفاهيم وافدة، تتناقض ومسلمات التطهر، بل ربما طالب بما هو أشد، ألا وهو إسكات صوت الحق وأكثر منه إخراج أهله المطالبين بطهره. وحتى نضع الأمور في نصابها الحقيقي الواجب في نظري التفريق هنا بين خمسة رجال: 
(رجل يحمل هذه القناعة نظرياً ويدرسها في إطارها التاريخي والمجتمعي، وقد تنال استحسانه الفكري إلا أنه وإن أبدى إعجابه بها وعول عليها في بحوثه ودراساته لا ينتقل معها إلى دائرة الفعل والسلوك. 
(ورجل يطبق هذه القناعة داخل أسوار بيته، فهو يعيش قيمه الغربية داخل مملكته الذاتية، ومتى خرج إلى مجتمعه الذي هو فيه احترم الطابع العام والتزم به. 
(رجل يحاول إشاعتها في مجتمعه الصغير، ويربي عليها أولاده وأهل بيته ومن حوله من أصدقاء وأقارب وأحباب. 
(ورجل يصرح بها ويحاول نشرها في المجتمع بكل الوسائل وعبر جميع السبل، ويؤصل لها ويدفع الشبه عنها ويبرهن على ضرورة وجودها. 
(ورجل لا يكتفي بذلك فقط، بل يطالب بمعاقبة مخالفيه فهم يكبدون الوطن الخسائر ويضعفون الاقتصاد ويضعون سياستنا الخارجية في حرج. 
ليس هذا ما يعنيني فحسب بل أعتقد أن الواجب قبل هذا وذاك أن يكون لدينا معيار دقيق وواضح به نفرق بين ما هو من صلب عقيدتنا وضمن منظومة قيمنا التي يجب علينا التمسك بها وبين ما هو عرف أو عادة، إذ إننا -بصدق- قد نظل سنوات ندافع ونطالب بحماية قيمة ما سواء أكانت عقدية أو عبادية أو سلوكية ويظهر بعد الدرس والتمحيص أنها ليست من الدين، أو أن المسألة تقع في دائرة الخلاف الذي لا يكون معه إنكار أو أن الدليل لهذا الحكم الشائع دليل مرجوح. 
إن تحرير محل النزاع، وإيجاد الحد الفاصل بين عالم التطهر والنقيض مسئولية كبرى تقع على علماء الأمة اليوم.. مسئولية تزداد صعوبتها لعدة أسباب: منها 
* ما يتعلق بطبيعة موضوع القيم وامتداد مساحته وعمقه من الاعتقاد والاعتناق الفكري والشعور الوجداني إلى السلوك والممارسة لمفردات الحياة اليومية ومناشطها. 
* ومنها ما يتعلق بتداخل مكونات القيمة في تأسيسها وتكريسها عبر الأبعاد الدينية والخبرات الاجتماعية والتراكم الثقافي والإرث المجتمعي. 
* ومنها ما يتعلق بتعقيدات العصر الراهن من كثرة المؤثرات وتحديات التنشئة التي تفرض أحياناً نوعاً من الشركاء الغرباء في بث منظومات قيم عبر فضاءات الاتصال، وسماوات مفتوحة للإعلام، وآليات تواصل لها بلاغة في التأثير والتأثر. 
وإذا كانت تلك المسئولية التي تقع على عاتق علماء الأمة تقتضي جهداً نسأل الله أن يعينهم عليه، فإنها تقتضي مجموعة من الآليات تتكامل من أجل تعزيز التناغم والاتساق على جل مستويات الفكر والثقافة، الفن والأدب، التعليم والإعلام، حتى تنسجم الرسالة مع نفسها، وتمتلك أدوات البناء الراسخ لمنظومة قيمنا التي تحدد ملامح هويتنا في مواجهة عملية الذوبان التي انتابت وتنتاب العديد من هويات المجتمعات، فذوبان الهوية المدخل الرئيس لاختلال الميزان واختلاط الأوراق، وتشوش الرؤية، وتضارب الأطراف، وتلك مخاطر وتحديات حضارية تستحق المزيد والمزيد من الجهود الوطنية للأفراد والمؤسسات التي تنبع من المسئولية الذاتية والاجتماعية في مملكتنا الغالية. ودمت عزيزاً يا وطني.. وإلى لقاء والسلام،، 
المصدر : الجزيرة 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>