الإثنين , 5 ديسمبر 2016

الثورة بالمقلوب!

لماذا يخرج الناس بثورة يريدون ان تحملهم الى القرن الحادي والعشرين، فتهب عليهم رياح العصور الوسطى؟!

كثيرون ممن احتفوا ببشائر «ربيع عربي» مع انتفاضات أطاحت بأنظمة عربية عتيقة، مطلع العام الماضي، يتساءلون الآن عما إذا كان الخريف قد جاء أولاً، أو أنهم ربما فتحوا صندوق الثورة بالمقلوب!!.

فما حملته نتائج الانتخابات في مصر وتونس، عاد ومعه أفكار تعود بالمجتمعين المصري والتونسي، سنوات بعيدة إلى الوراء، كذلك فإن طبيعة الحقوق التي يدور صراع مجتمعي حول تضمينها في الدساتير الجديدة، كانت إلى وقت قريب، مستقرة، وثابتة، باعتبارها جزءا لا يتجزأ، من قيم ومكاسب حققتها مجتمعات عربية، عبر عقود طويلة من النضال السياسي.

ما الذي حدث؟.. لماذا يخرج الناس بثورة يريدون ان تحملهم الى القرن الحادي والعشرين، فتهب عليهم رياح العصور الوسطى؟!.. الإجابة عن هذا السؤال وغيره كثير، ربما تقرر صورة المستقبل في مجتمعات «الربيع العربي» وفي غيرها من المجتمعات، لكن جهد البحث عن جواب يقتضي عملا مؤسسياً دؤوباً، يتوفر لدى القائمين عليه، عنصرا الكفاءة العلمية، والأمانة المهنية، أما ما نحاوله نحن ككتاب او محللين ،فلا يتجاوز حد محاولة إحداث ثقوب في الجدار قد تعين الباحثين عن الحقيقة العلمية خلفه.

قبل أيام علق مايكل سينج المدير الإداري لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، على هجمات تعرضت لها السفارات الأمريكية في مصر وتونس وليبيا واليمن، معتبراً أن الفيلم المسيء لم يكن السبب الوحيد لغضبة المتظاهرين وقال بالحرف الواحد إن هذه الاضطرابات»ليست نتيجة عرض فيلم واحد مسيء للإسلام،بل هي استمرار للانتفاضات العربية من عام 2011 وثمرة ناتجة عنها» واضاف سينج» لقد اندلعت تلك الثورات نتيجة لمظالم سياسية واقتصادية عميقة الجذور….. ولكن في حين أن الانتفاضات العربية نتجت عن تلك المظالم، إلا أنها لم تنجح بأي حال من الأحوال في حلها، وفي الواقع- والكلام ما يزال لمايكل سينج- فإن إقتصادات مثل تلك التي في مصر وليبيا هي أسوأ حالاً الآن مما كانت عليه في بداية عام 2011، حيث تسببت الاضطرابات السياسية وعدم اليقين، في تراجع السياحة والاستثمار، كما أن السياسيين قد سعوا في أغلب الأحيان إلى تسوية حسابات قديمة، بدلا من المضي ببلدانهم في الطريق الصحيح إلى الأمام، لقد زادت المشاركة السياسية، لكنها لم تحقق نتائج كافية لتلبية التطلعات(غير الواقعية) للشعوب في هذه البلدان».

تصور مايكل سينج عن أسباب الغضب، ربما لا يكون دقيقاً، لكنه مع ذلك يبدو ملهماً، فإشارته إلى ما أسماه بـ»التطلعات غير الواقعية» لشعوب الربيع العربي، تبدو واقعية مع الأسف، ودعونا ننظر إلى ما يدور الآن في شوارع مصر وتونس وليبيا واليمن، حيث تتجاوز مطالب الجماهير أي قدرة لحكوماتهم على تلبيتها، وحيث تتطلع كل فئة في المجتمع، إلى تعويض فوري عن مظالم نصف قرن، وهى أمور ينوء بها أي حكم، ويعجز عن تلبيتها «فوراً» أي نظام يتمتع بالحد الأدنى من المصداقية.

في تقديري فإن الركود السياسي المزمن، في بلدان الربيع العربي قبل الثورات، قد أفرز الكثير من المظالم، التي تكاثرت بدورها مع الوقت، وحين اشتعلت الثورة، انفجرت معها المطالب، وانطلقت التوقعات بغير حساب، وخرجت المظاهرات الفئوية في مصر مثلاً،كل يطالب بحقوقه المهدرة (الآن.. وهنا)، بينما اشتعل سباق النخب للفوز بـ»السلطة» والسيطرة على «القرار».. وبسبب هذا تبدو الحلول بعيدة، والأدوات قاصرة عن التعامل مع القضايا الحقيقية وفق أولويات وطن، وليس طبقا لحسابات حزب أو جماعة، فبين جماهير طال انتظارها للتغيير، وبين نخب طال «اشتياقها «للسلطة»، لا يمكن أن يولد الحل، مكافئاً لطول الانتظار أو لطول الاشتياق.

وبسبب جدلية العلاقة بين الشارع والنخبة بعد الثورة، باعتبار أنه لا سبيل الى السلطة بغير كسب ود الشارع ، تزداد الأمور تعقيداً، ليكتشف الناس أنهم استبدلوا دكتاتورية الحاكم الفرد، بدكتاتورية الشارع الغاضب.

وإذا كانت مشاهد الثورة ونتائجها تقطع بأنه لا حصانة لدكتاتور في مواجهة شعب عرف طريقه الى الميادين، فإن مشاهد ما بعد الثورة ونتائجها -حتى الآن- تقطع بأنه من الممكن دائما الإطاحة بالدكتاتور الفرد، ولكن ليس من الممكن الإطاحة بدكتاتورية الشارع قبل سنوات تخصم من رصيد الجميع بعدما تضيع في التجربة والخطأ.

خذ مثلاً ما يثيره غلاة مشجعي كرة القدم «الالتراس» على خلفية قضية الثأر لضحايا مجزرة ارتكبها متطرفون آخرون في ملعب لكرة القدم في بور سعيد وراح ضحيتها 74 قتيلاً، فهم يطالبون بتعطيل بدء مسابقة دوري كرة القدم، إلى أن يصدر القضاء أحكامه الرادعة بحق مرتكبي المجزرة، وهم يداهمون مقر اتحاد الكرة، ثم مقر النادي الأهلى المصري، ثم مقر وزارة الرياضة،ثم مقار استديوهات إعلامية تبث برامج يقوم على تقديمها مذيعون مؤيدون لعودة الدوري العام.

مطلب القصاص مشروع، لكنه لا ينبغي ان يتم على حساب إهدار هيبة مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية والرياضية والإعلامية، ومع ذلك فثمة حالة من التردد والرضوخ من قبل مؤسسات الدولة، التي مازالت تخشى صداما مع شارع غاضب، يسعى اغلبها لاسترضائه قبل انتخابات برلمانية يتطلع كل «المشتاقين» إلى نيل حصة معتبرة فيها.

حزب الألتراس مازال أقوى من كل أحزاب الدولة، والشارع مازال أقوى من كل مؤسساتها، ولا ضير في ذلك إن كان لأمد محدد وفي نطاق محدود،لكن تطلعات الجماهير مازالت «غير واقعية» وحسابات القوى السياسية ما زالت تعكس شوقا للسلطة بأكثر مما تفصح عن رؤية للحل. 

moneammostafa@gmail.com

————–

نقلاً عن المدينة

-- عبدالمنعم مصطفى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*