الجمعة , 9 ديسمبر 2016

إيران بين «تاريخين»

لم تمنع الجبال والهضاب ومخاطر الطريق الإيرانيين من إرسال الذهب والمجوهرات قبل ما يقرب من 2500 سنة إلى اليونان، وتقديم الهدايا الثمينة إلى شخصيات ووجهاء في دولة الإسكندر المقدوني، بقصد شراء ذمم هؤلاء، وتحريك أدواتهم لإرباك المجتمع اليوناني، والتحكم به، وساورت الشكوك مستشاري الإسكندر من تحريك الفرس لأدواتهم داخل بعض المدن اليونانية التي هادنت القوات الفارسية أثناء غزوها لليونان عام 481 قبل الميلاد، وكانت قوات الإسكندر تستعد لحرب شرسة مع قوات الإمبراطورية الفارسية بقيادة (داريوس الثالث)، لكن هذه المرة على أرض بابل، وكان أحد الفلاسفة الذين رافقوا الإسكندر في غزواته قد نصح (الإسكندر) وهم على أرض بابل، محذرا من مكر الفرس وقدرتهم على التغلغل داخل المجتمع اليوناني، ولا بد أن الإسكندر قد أخذ بتلك المعلومات، لكن العبرة في النتائج، ومدى قدرة المجوهرات والذهب الفارسي في تحقيق الأهداف المرسومة، وتتحدث صفحات التاريخ عن خسارة الملك الفارسي وهزيمته عام (333 قبل الميلاد) بعد أن فر من أرض المعركة أمام جيش الإسكندر، وكان الفرس طيلة مائة وخمسين سنة يعملون على التغلغل في المجتمع اليوناني ومد الجسور وبث البذور، لبسط السيطرة والهيمنة عليه بعد انتصار الفرس في المعركة التي قادها دارا الأول عام (490 قبل الميلاد)، ولأن بعض المدن اليونانية تحالفت مع الفرس، فإن طموحهم قد تطور لابتلاع اليونان كاملة.

في واقعنا اليوم نجد ذات السياسة، التي اعتادت عليها الإدارات الحاكمة في إيران على ممارستها منذ آلاف السنين، وفي (التاريخ الحديث) يستطيع المرء تلمس سياسة المجوهرات والمال والهدايا الإيرانية في أماكن كثيرة، بغرض تحقيق المشروع الإيراني، وكان استخدام المال في العصور القديمة بهدف السيطرة على الأمم والشعوب، إلا أن العاملين الرئيسيين اللذين ترتكز عليهما الاستراتيجية الإيرانية قديما وحديثا، قد أصبحا في الوقت الحالي عاملي إعاقة للمشروع الإيراني، ويمكن قراءة تلك الإعاقة من زاويتين رئيسيتين:

الأولى: إن عقلية الصبر والمطاولة، التي يتصف بها الإيرانيون، ويضرب بهم المثل في صناعة السجاد الإيراني الشهير؛ حيث قد يستغرق الإيراني عشرين سنة حتى ينجز سجادة واحدة، لم تعد مثل هذه الصفة بذات الأهمية التي كانت عليها حتى وقت قريب، فإذا كان الإيراني يمضي عشرين سنة في سجادة نوع (كاشان)، فإن أي شخص في العالم (سابقا) لا يستطيع تقليد تلك السجادة حتى لو أمضى خمسين سنة، لكن على الجميع أن يدركوا أن سجادة العشرين عاما، يستطيع الصينيون تقليدها وصناعة آلاف منها خلال ساعات، وقد يصعب على تسعة وتسعين في المائة من الناس، التمييز بين سجادة العشرين سنة ومثيلتها التي يصنع منها الآلاف خلال ساعات، وينسحب ذلك على طبيعة الإنسان وعلاقته بالتفاخر بما هو متميز وموروث، ولا نقصد أنه يثلم بعض مفاصل ذلك التفاخر، لكنه بالتأكيد لن يبقي على كيانه التقليدي كما كان عليه طيلة مئات السنين.

الثانية: إن سلاح المجوهرات والهدايا قد يكون فاعلا في معركة، وقد يؤتي أكله في شراء قلة من الناس لفترة محدودة، لكن الحقيقة التي يجب أن يدركها السائرون في مثل هذه المسارات، أن سلاح المجوهرات والمال والهدايا السخية، لن ينجح على الإطلاق في الحروب الطويلة؛ لأن هذا النوع من السياسات يقوم على نفس فكرة الجاسوسية، وتوظيف البعض من داخل المؤسسة الحربية لصالح الخصم، وبالنتيجة يكون عمله ضد بلده وأهله ومبادئه، وإذا نجحت دول ومؤسسات مخابراتية في زرع جواسيس ومتعاونين معها في مفاصل إدارية وأمنية واقتصادية لفترة معينة، فإن زرع أشخاص أو جماعات داخل المجتمع لن ينجح إذا كانت المهمة المنوطة به تحتاج إلى سنين طويلة، وفي نهاية المطاف، تتضافر ثلاثة عوامل في زعزعة سياسة الشراء بالمال والمجوهرات داخل المجتمعات، أولها أن السيد (صاحب المال) ينظر في داخله إلى متلقي المجوهرات والكنوز من زاوية اجتماعية – أخلاقية، فهو ما دام يعمل ضد بلده وأهله، لا يمكن أن يكون مخلصا، فتكون النظرة إليه (دونية في حقيقتها). والثاني أن الوسط العائلي والاجتماعي، يستشعر توجه ذلك الشخص أو المجموعة، فتصبح النظرة إليهم في إطار التبعية لجهة خارجية، وتزداد وطأة ذلك عندما تنفضح عدائية تلك الجهة ومشاريعها. أما الثالث، فيتمثل في الشخص أو المجموعة نفسها، إذ تتحول من أداة لتحقيق الأهداف إلى عبء ثقيل، فهناك ميزانية مالية ضخمة وهناك تراجع في أداء المهام الموكلة إليه، وفي النتيجة لا يمكن لأدوات مشتراة بالمال والمجوهرات أن تواصل نشاطاتها في حروب تستمر لعشرات السنين، ومن المعروف للجميع أن مشروع إيران، يدخل ضمن توصيف الحرب الطويلة، وباستخدام مختلف أنواع الأسلحة الناعمة (وسائل الإعلام والندوات ونخب مجتمعية وجمعيات ثقافية وغيرها)، وإن استدعى الأمر فالسلاح القاتل يكون أداة الحرب وتدمير الخصم (برنامج إيران النووي معد لهذا الغرض، وقواتها المسلحة التي تحرص القيادة الإيرانية على إظهارها باستمرار بوقوفها على أهبة الاستعداد لإغلاق مضيق هرمز، وشن حروب برية وهجمات صاروخية وقوة جوية، وهذا ما تؤكده المناورات والاستعراضات الإيرانية المتواصلة).

ولم يطرأ أي تبدل أو تغيير في العقلية الإيرانية منذ آلاف السنين، وما ذكرناه عن الذي حصل في زمن الإسكندر المقدوني، يحصل خلال العقود والقرون الماضية، ومعضلة الإيرانيين أنهم ما زالوا يعتقدون أن الصبر على حياكة السجادة وتوظيف المال والمجوهرات، تصلح في كل زمان ومكان، أما خطيئتهم الكبرى فتتمثل في تمسكهم بهذه القناعة واعتمادها استراتيجية كبرى، لتحقيق أهدافها في العالمين العربي والإسلامي.

لا أعتقد أن عقلية تتجذر قناعاتها الخاطئة لآلاف السنين، ستقتنع بإجراء مراجعة معمقة وعلمية ودراسة الحقب التاريخية وما تحقق من نتائج وما تكبدته من خسائر، مع وضع الاعتبارات الاجتماعية في مكانها الصحيح، والتفريق بين أدوات المعركة واختلافها الكبير والواسع عن أدوات الحروب الطويلة.

 

* كاتب عراقي

———–

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- *وليد الزبيدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*