الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العمل الاجتماعي التطوُّعي.. توجُّه وأنموذج

العمل الاجتماعي التطوُّعي.. توجُّه وأنموذج

تمرُّ المجتمعات البشريَّة بمراحل تحضُّر متتابعة، بدأت بمرحلتها البدائيَّة بالتعاون والتكافل بصورته الاجتماعيَّة الأوليَّة، ووصلتْ مجتمعاتٌ منها مرحلةَ النضج الاجتماعيِّ الحضاريِّ إلى التعاون والتكافل أيضاً بمحاوره المتشعِّبة وبصوره المتكاملة، وفيما بينهما مراحل تنتقل المجتمعاتُ فيما بينها انتقالاً يختلف بملامحه وبالزمن اللازم لحراكه الاجتماعيِّ من مرحلة لأخرى ومن مجتمع لآخر.

إلاَّ أنَّ المرحلة السابقة لمرحلة النضج الاجتماعيِّ الحضاريّ وتستغرق غالباً الزمن الأطول تكاد أن تجمع كلَّ الملامح الاجتماعيَّة السلبيَّة والإيجابيَّة التي أفرزتها المراحلُ الأسبق، ففيها تتشكَّل ممارساتٌ اجتماعيَّة من شرائح المجتمع، فشريحة تدفعها الأنانيَّةُ لتنتهك الحقوق مقصيةً الإيثارَ والمروءةَ والتعاونَ والتكافلَ، وأخرى تحرِّكها المصالح الخاصَّة والأَثرة لتنهشَ المصلحة العامَّة مشوِّهةً الوطنيَّة والمواطنة.

وثالثة يسيُّرها بحثُها عن الوجاهة الاجتماعيَّة لاتخاذ الإقصاء والتهميش وتزوير المواقف إعلاميّاً مسارات لتحقيقها، شرائح تجد مَنْ تستغفلهم وهم يعلمون فيعملون بتوجُّهاتهم السلبيَّة ليحقِّقوا مكتسباتهم أيضاً على حساب المجتمع، هذه الشرائح تُدافعُها بالفكر والقول والفعل، وتكاشفها بالمقارنة، وتقابلها بالتوجُّهات شريحةٌ إيجابيَّةٌ ناهضة بالعمل الاجتماعي التطوُّعي بمصداقيَّةٍ وتفانٍ.

وتتَّسع الشريحةُ الإيجابيَّة بحسب اقتراب المجتمع من مرحلة النضج الاجتماعيِّ الحضاريِّ؛ إذْ هي التي تمارس العملَ الاجتماعيَّ التطوُّعيَّ منشئةً جمعيَّاته ومؤسَّساته في المجتمع سعياً لوصوله لدرجات أعلى من التعاون والتكافل.

يحرِّكها حبُّ الخير والإيثار والمروءة، وتحفزها المصلحة العامَّة والمُوَاطَنَةُ الحقَّة، فتسعى الوجاهةُ الاجتماعيَّة لأفرادها فيدفعونها ما أمكنهم ذلك تخلُّصاً من بروتوكولاتها المعيقة توجُّهاتِهم وجهودَهم، تُبرزهم وسائلُ الإعلام دون معرفةٍ منهم بذلك أو سعيٍ إليه، يصحِّحون المواقف والممارسات ولا يدَّعونها أو يزوِّرونها، ويمقتون الطفيليِّين المتكسِّبين إعلاميّاً واجتماعيّاً، ومع ذلك يندسُّ في هذه الشريحة الإيجابيَّة في مؤسَّسات العمل التطوُّعي وجمعيَّاته سلبيُّون طفيليُّون.

وهؤلاء وإن غفل الزمن عنهم مؤقَّتاً سينكشفون ليتساقطوا تباعاً من العمل الاجتماعيِّ التطوُّعي.وكما يتساقط أولئك المندسُّون أفراداً وجماعات يتسامى الصادقون مع أنفسهم ومع العمل الاجتماعيِّ التطوُّعي فيصل بعضٌ منهم بتأثير تربيتهم وثقافتهم وحسِّهم الاجتماعي لدرجات وعي وعطاء تنقل العمل الاجتماعيَّ التطوُّعي نقلات نحو مرحلة النضج الاجتماعيِّ الحضاريِّ.

فأولئك المتطوِّعون يحرِّكون المجتمع لبلوغها، وهم يختلفون فيما بينهم اختلافات يكمل بعضها بعضاً، أولئك الخيِّرون نخبة صادقة من أفراد المجتمع قليلة عدداً؛ إذْ تتطلَّب خصائص نفسيَّة وثقافيَّة واجتماعيَّة لا تتسنَّى مجتمعة إلاَّ لمن هيَّأهم الله سبحانه وتعالى لفعل الخير ولممارسة الإصلاح ابتداءً وعطاءً دون انتظار لمقابل إنسانيِّ؛ تتكشَّف قلَّةُ أولئك عدداً في مجتمع محافظة عنيزة بما جعل بعضهم يعملون بمعظم جمعيَّاتها.

الأمر المعيق لتطوير العمل التطوُّعي، وربَّما لحصره بجمع الزكوات والصدقات والتبرُّعات الماديَّة والعينيَّة وتوزيعها على محتاجيها وفي ذلك خير، ولكن منهم من يقدِّمون فوق ذلك -وهم قليل منهم- جهودهم الفكريَّة والثقافيَّة والتدريبيَّة والتوعويَّة بمجال خدمة المجتمع كما هم في الجمعيَّة الخيريَّة الصالحيَّة، وجمعيَّة عنيزة للخدمات الإنسانيَّة، وجمعيَّة تيسير الزواج.

وذلك توجُّهٌ ومسار يفوق مسار الجمع والتوزيع خيريَّةً، يعزِّزه ولا يكون بديلاً عنه، ثمَّ ظهرت جمعيَّات خيريَّة أخرى جمعت ذلك كلِّه وعليه أضافت تقديم الاستشارات والتدريب للمحتاجين في المجتمع ليسدُّوا احتياجاتهم بأنفسهم.وفي مسار تطوُّر توجُّهات العمل الاجتماعيِّ التطوُّعي وممارساته؛ ولمعالجة قلَّة المتطوِّعين الفاعلين جهداً وفكراً.

ولإطلاق العمل الخيري لآفاق أرحب تجتاز مجرَّد جمع الدعم المادي والعيني وتوزيعه، ظهرت جمعيَّات ومؤسَّسات خيريَّة تتطلَّع لما وراء المسارات التقليديَّة، فانطلقت في مجتمع محافظة عنيزة مؤسَّسةُ عبدالعزيز بن محمَّد العوهلي الخيريَّة لتنمية المجتمع برؤية ورسالة وأهداف متطلِّعة لمسارات في العمل الاجتماعيِّ التطوُّعيِّ أحدث وأجدى نفعاً وخيريَّة، فرؤيتها: خدمة المجتمع وتنميته بمسؤولية، ورسالتها: إنشاء مشروعات مهنيَّة وتجاريَّة وحضانتها ليعمل بها فيتملكها أبناء المجتمع الأكثر حاجة، وتبني العمل التطوعي المؤسسيِّ المستديم ورعايته، وإنشاء منشآت تربوية متميزة، واستشراف المستقبل بدراسة الظواهر السلوكيَّة في المجتمع وتحفيز الإيجابيَّة والمشاركة في علاج السلبيَّة منها.

وأهدافها العامة: ابتكار المشروعات والبرامج الخيرية وتنفيذها ومتابعتها، والعمل من أجل تضافر الجهود والموارد الرسميَّة والأهليَّة والفرديَّة في إطار يضمن إسهاماً فاعلاً وشراكة بناءة، ودعم البحث العلمي والتدريب المتخصِّص في قطاع خدمة المجتمع وبنائه، ونشر ثقافة العمل الخيريِّ والتطوعيِّ ورفع الوعي العام في مجال خدمة المجتمع وبنائه، وبالتقييم المستمر للأداء لتحقيق الجودة.

وحيثُ تجاوزت مؤسَّسةُ العوهلي لتنمية المجتمع مرحلة بناء الأهداف لتُترجمها بانطلاقةِ برامجها بادئةً ببرنامج مروءة بفرق علميَّة، وتقنيَّة، وثقافيَّة، وبيئيَّة، وللسلامة، ولتجميل محافظة عنيزة، ولدراسة مشكلاتها دراساتٍ علميَّة باعتبار المؤسَّسة وسيطاً بين الجهات التنفيذيَّة الحكوميَّة ومؤسَّسات المجتمع المدني وبين الباحثين من جامعة القصيم ومن الباحثين المستقلِّين في ضوء اتِّفاقيات تبرمها المؤسَّسة بين تلك وأولئك، مسارٌ يعدُّ أحدث مسارات العمل الاجتماعي التطوُّعي، يتصدَّى لمشكلات المجتمع بالبحث العلمي بأدواته ودراساته، إضافة لتدريب الشباب على العمل التطوُّعيِّ الاجتماعي لتتَّسع شريحة المتطوِّعين في تنمية المجتمع عدداً، ونظرت مؤسَّسة العوهلي الخيريَّة للمحتاجين إلى عمل من باب التدريب واحتضانها لمشروعات اقتصاديَّة يعملون بها ويمتلكونها شراكةً بعد فترة حضانتها، كمشروعَي: «الضمَّادون»، «الكهربائيُّون السعوديُّون»، ومشروعات أخرى ستنطلق بمشيئة الله.

هذا التوجُّه التطوُّعيُّ الخيريُّ وهذه المؤسَّسة الخيريَّة يقف من ورائهما أخي أبو نهار الأستاذ فهد بن عبدالعزيز العوهلي رئيس أمناء المؤسَّسة، وصاحب ثلوثيَّة العوهلي ومدير حواراتها بين مثقَّفي المحافظة ومفكِّريها ومحبِّي العمل التطوُّعي في موضوعات يتَّصل معظمها بخدمة مجتمعه وتنميته في ضوء رؤية المؤسَّسة ورسالتها وأهدافها، ثلوثيَّة أوجدت حراكاً اجتماعيّاً وثقافيّاً مستجدّاً على المحافظة، وهكذا فتربيته في بيت والده -رحمه الله- مديرِ مدرسة الأيتام ومن سمَّى برّاً المؤسَّسةَ باسمه تنعكس على جهوده تلك من خلال رؤية وثقافة بلورت توجُّهاته ومساراته في ذلك، فلأبي نهار التقدير من محافظته ووطنه على ما قدَّمه فكراً وعملاً وتوجُّهاً ونموذجاً يُحْتَذَى للعمل الاجتماعيِّ التطوُّعيِّ في كلِّ الوطن، أثابه الله تعالى.

————

نقلاً عن الشرق 

-- عبدالرحمن الواصل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*