الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » دُور التعليم تحوي أثمن ما تملكه الأمة

دُور التعليم تحوي أثمن ما تملكه الأمة

إن هذه الأمة، أمةَ محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس· الصدارة منزلتها، والقيادة مرتبتها {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143]، إنها مصدرُ الأصالة، ومنبر التوجيه، ومنار التأثير، هكذا أراد الله لها إن هي استقامت على النهج، وقامت بالحق: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110]·

أمةٌ رفع الله من شأنها، ليس لها أن تنحدر إلى مستوى التقليد والتبعية، تقبع في مؤخرة القافلة يصيح بها كل ناعق·

إن أهل الإسلام      هم معقلُ الحق، ومآزر الإيمان· رسالتهم عالمية، أكرمهم الله بها، وحملهم أمانة المحافظة عليها، وتبليغها في كل عصر، وفي كل مصر·

بنظرة فاحصة في واقع الأمة في ناشئتها وأبنائها، يتبين أن الأمة أي أمةٍ – إنما تبقى محافظة على كيانها، مدركة لمسؤولياتها ثابتة في موقعها، حين يربى صغارها ليكونوا ورثةً صالحين للإسلام، أمناء على الميراث، يصاغون في قوالب عقائد الأمة، ومناهج حياتها، عليها تتربى، ومن أجلها تكافح، ومن ثم تنقلها صافية إلى الأجيال المتعاقبة·

ومن هنا أمة الإسلام، فإن التربية لباسٌ ودثارٌ يفصل على قامة الشعوب، منبثقاً من عقائدها، منسجماً مع أهدافها وآدابها·

تُصبغُ العلوم بصبغة الإيمان، وتؤخذ العقول بميزان الدنيا والآخرة، توضع الأشياء في مواضعها، يفرق بين الوسائل والغايات·

إن مناهج التربية وطرائق العلوم، يجبُ أن تكون قائدة إلى الإيمان، قاصدةً إصلاح الأنفس، وتهذيب الأخلاق·

إن مظاهر القوة المادية وحدها لا تغني شيئاً، إذا تداخلت في العقول الثقافات المتناقضة، والعلوم المتنافرة، فتفرقت بطلابها السبل، وتنازعتها التيارات والأهواء·

ليس مقياس النجاح مجرد معرفة القراءة والكتابة، وليس دليل التفوق كثرة دور العلم وأفواج الخريجين·

إن كثيراً من البلاد الإسلامية في عصورها المتأخرة خسرتْ أكثر مما ربحت، حين ظنتْ أن مبادئ التربية وأصول التعليم تستوردُ كما تستورد البضائع والصنائع، وضلت حين ظنتْ أنها تقايض في معاملات تجارية؛ لتكسب علماً أو تمحو أمية·

وإن أخطاء كبرى تولَّدتْ في بلدان الشرق حين مجدت التعليم، لمجرد التعليم، حين مجدته مقطوعاً عن غاياته وأهدافه، ومصادره، لقد ظهر مسخٌ وتشويهٌ للثقافة والتربية والتعليم· إنها أخطاءٌ جعلت كثرة كاثرةً يغضون النظر عن واقع أليم، وصورةٍ منكرةٍ، وعيوب فاضحةٍ في بعض الطبقات المثقفة المتعلمة انقلبت عندهم الموازين، فعظموا المتعلم المنحرف ذا الاتجاهات المريبة، وقدموه على الكريم المستقيم، ولو قل نصيبه من التعليم·

امتدحوا عصراً كثر فيه المتعلمون، وعموا عما انتشر معه من الشك في المبادئ الصحيحة، والحقائق الواضحة، والبدهيات الجلية، وما ساد فيه من التفسخ الخلقي، وفقدان الحمية الدينية، بُنيتْ فيه الشاهقاتُ من المباني على أنقاض الأخلاق والفضيلة، استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير·

عجزوا أن يميزوا بين هذا وبين عصور سابقةٍ، توافرتْ فيها الفضائل، وسمت فيها الأخلاق، وتواصلت فيها الأرحام، في استقرار نفسي، وطمأنينة قلبية على قلة المتعلمين وندرة المثقفين· ورحم الله مسروقاً حين قال: بَحسْبِ امرئ من العلم أن يخشى الله وبَحسْب امرئ من الجهل أن يُعجبَ بعلمه·

لم يكن هذا الانقلاب في المفاهيم، والاختلال في الموازين، لولا خضوع كثير من المجتمعات المعاصرة للبريق الخداع الذي رفع من شأن التعليم وشهاداته، لمجرد أنها شهاداتٌ، أو لأن صاحبها تلقاها من هنا، أو نالها من هناك·

لا فائدة في علم لم يكس بخلق، ولا جدوى من تربي

-- *بقلم: معالي الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*