السبت , 10 ديسمبر 2016

الجهاد والاجتهاد

في مهد الدعوة الإسلامية وبداياتها كان عدد المسلمين قليلا مقارنة بقوى الكفر والضلال، ورغم ذلك فقد كان المسلمون الأوائل منظمين عسكريا بشكل بالغ الدقة والبراعة وهو ما تشهد به فتوحاتهم العظيمة التي حققت انتصارات لم تشهدها عصور الدولة الإسلامية المتعاقبة حتى وقتنا هذا. ومن المعروف أن تكوين جيوش المسلمين في ذلك الوقت كانت تتم من خلال إطلاق دعوة الجهاد في سبيل الله، والتي يقوم بها كل مسلم قادر على حمل السلاح بوضع نفسه تحت إمرة رسول الله عليه الصلاة والسلام وتحت طاعة قادة جيوشه، واستمر الأمر على المنوال نفسه بعد ذلك، حيث كان المسلمون يضعون أنفسهم تحت طاعة وإمرة أمراء المؤمنين وقادة جيوشهم؛ لعلمهم أنهم أكثر قدرة منهم على توظيفهم في مواقع محددة بجيوش المسلمين وأكثر دراية بإمكانيات كل منهم وقدراته.

ولقد تجسد توحد المسلمين في أزهى عصور الأمة الإسلامية عندما تم تكوين جيش نظامي متسق في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت قياداته موحدة وأركانه متماسكة، وقد انخرط الجميع بما فيهم الصحابة الأخيار تحت إمرة قادة الجيوش الذين يتبعون أولا وأخيرا أمير المؤمنين وينفذون تعليماته، واستطاعوا بذلك فتح بلاد الشام وكسرى ومصر وغيرها. كان المسلمون على مر تاريخهم الطويل يعرفون أن الجهاد المنفرد الخارج عن إذن ولي الأمر أو قادة جيوشه لا يؤتي أكله، ويعرض صاحبه للتهلكة دون أن يحقق للجيوش الإسلامية ما تصبو إليه، إضافة إلى أنه يعرض نفسه للهلاك دون حكمة أو بصيرة.

وفي القرون الأخيرة لم تعد هناك للأسف دولة إسلامية واحدة ينضوي تحت لوائها كافة الدول التي تدين بالإسلام، فهناك عشرات الدول الإسلامية التي لكل منها جيش نظامي خاص بها، كما أن لكل منها سيادتها على أراضيها وسياساتها التي تنتهجها، لقد تغيرت معالم الدول وطبيعتها في العصر الحديث عما كانت عليه من قبل. ففي العصر الراهن أصبح اتخاذ قرار الحرب بيد حكومات تختلف كل الاختلاف عن حكومات العصور القديمة، وأصبح لكل بلد سلطات عديدة من قضائية وتشريعية وتنفيذية. وقد نما الوعي السياسي والاجتماعي وحتى العسكري عند المواطنين بشكل كبير جدا، وقد أصبح اتحاد القوى العسكرية بين دولتين أو أكثر لا يتم بشكل فردي أو أحادي الجانب، بل من خلال اتفاقيات عسكرية متبادلة تحدد طبيعة التحالف وأركانه، ولهذا لم يعد من المستساغ أو المقبول أن ينضم مواطن لدولة من تلقاء نفسه ليحارب في جيش دولة أخرى بدعوى أنه جيش مسلم.

للأسف نفاجأ في الآونة الأخيرة ومن خلال منابر إعلامية مختلفة بدعوات تدعو للنفير والجهاد في بعض الدول التي فيها صراعات داخلية أو خارجية، وهي في الواقع دعوات غريبة ومشبوهة وتدعو للتساؤل عن مصدرها وأهداف من يروج لها، لقد عانينا وحتى وقت قريب من مثل هذه الدعوات، وهي أولا وأخيرا دعوات اجتهادية، ربما تحمل من الخطأ أكثر بكثير من الصواب، فقد خرج الكثير من أبناء الوطن ودون إذن من ولي الأمر الذي يعرف بحكم موقعه وسلطته أكثر مما يعرف الفرد الواحد الغارق في تصوراته القاصرة، وللأسف كانت النتيجة أن هلك منهم الكثير وبأساليب بشعة وتعرض آخرون للسجن والتعذيب بعد أن أسيئ استغلالهم، أما من عاد منهم فقد تحول إلى قنبلة موقوتة تضر بلده..

ولعل أخطر ما في الأمر أن يعد دخول مواطنين من دولة إلى أراضي دولة أخرى دون إذن من حكومتها وبذريعة الجهاد مسوغا لتلك الدولة للتعامل بالمثل، وهو ما يعرض أمن الدولة للخطر وخاصة إذا كانت مستهدفة من أعداء كثيرين. إن العصر الحديث يفرض على الجميع الانخراط التام في البناء المؤسسي للدولة بكل أطيافه وأشكاله سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية، وعدم القبول بمبدأ شق الصفوف من خلال تصرفات فردية.. وكم أتمنى أن يتم توعية الأجيال بالمفهوم الحقيقي للجهاد مدعما بالحقائق التاريخية التي لا تقبل الشك والجدل لكيلا يتحول الأمر إلى اجتهاد فردي، يضر أكثر بكثير مما ينفع.

twitter.com/mufti_dr

————–

نقلاً عن عكاظ 

-- محمد حسن مفتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*