الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإمام ابن قيم الجوزية .. ورحلاته للحج والمجاورة (691هـ – 751هـ)

الإمام ابن قيم الجوزية .. ورحلاته للحج والمجاورة (691هـ – 751هـ)

 لقد حاز علماء المسلمين قصب السبق في ميدان الرحلات , وأعتنى بعضهم قديماً وحديثاً برحلة الحج عناية خاصة ,  وشدوا الرحال لبيت الله الحرام , لأداء هذه الفريضة ، ولأخذ العلوم عن الشيوخ ومقابلتهم , وحضور بعض المجالس العلمية للاستزادة من العلم والمعرفة , والقيام بتدوين ما يجري عليهم أثناء هذه الرحلة , ووصف مشاقها وأحداثها إلى حين عودتهم لبلادهم , وكان لهذه الشعيرة ( الحج ) الأثر البالغ في رفع معنوياتهم النفسية والعلمية ؛ مما دفع بعضهم للمجاورة والتفرغ للعبادة , وأخذ العلم وتدوينه .

وقد كان الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله –  أحد هؤلاء الأعلام الذين رحلوا للحج عدة مرات وجاوروا البيت الحرام , وقد تحدث عن أسرار شعيرة الحج في كتابه الشيق والممتع ( مفتاح دار السعادة ) ( 2/323 – 324 ) فقال مانصه: ( وأما الحج , فشأن آخر لا يدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في المحبة بسهم , وشأنه أجل من أن تحيط به العبارة , وهو خاصة هذا الدين الحنيف , حتى قيل في قوله تعالى ” حنفاء لله ” أي :حجاجاً. 

وجعل الله بيته الحرام قياماً للناس , فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه , فلو ترك الناس كلهم الحج سنة لخرت السماء على الأرض , هكذا قال ترجمان القرآن ابن عباس ؛ فالبيت الحرام قيام العالم , فلا يزال قياماً ما دام هذا البيت محجوجاً . 

فالحج خاصة الحنيفية وتقويته والصلاة سر قول العبد : لا إله إلا الله ؛ فإنه مؤسس على التوحيد المحض والمحبة الخالصة , وهو استزارة المحبوب لأحبابه , ودعوته إلى بيته ومحل كرامته , ولهذا إذا دخلوا في هذه العبادة فشعارهم : لبيك اللهم لبيك , إجابة محب لدعوة حبيبه , ولهذا كان للتلبية موقع عند الله , وكلما أكثر العبد منها كان أحب إلى ربه وأحظى , فهو لا يملك نفسه أن يقول : لبيك اللهم لبيك , حتى ينقطع نفسه .

وأما أسرار ما في هذه العبادة من الإحرام , واجتناب العوائد , وكشف الرأس , ونزع الثياب المعتادة , والطواف , والوقوف بعرفة , ورمي الجمار , وسائر شعائر الحج ؛ فمما شهدت بحسنه العقول السليمة والفطر المستقيمة , وعلمت بأن الذي شرع هذا  لا حكمة فوق حكمته ). 

وذكر الامام ابن قيم الجوزية – رحمه الله – سر انجذاب أفئدة المسلمين للبلد الحرام فقال في كتابه ( زاد المعاد) ( 1/ 52 – 53 ) : ( وقد ظهر سر هذا التفضيل والإختصاص في انجذاب الأفئدة , وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين , فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد , فهو الأولى بقول القائل : 

محاسنه هيولى كل حسن      ومغناطيس أفئدة الرجال

ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس , أي : يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار , ولا يقضون منه وطراً , بل كلما ازدادوا له زيارة , ازدادوا له اشتياقاً : 

لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها      حتى يعود إليها الطرف مشتاقاً

 وإن للإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله – قصصاً عجيبةً في رحلته للحج وومجاورته للبيت الحرام أذكر منها ماتيسر الوقوف عليه فمن ذلك :

•اجتهاده في العبادة والطواف:

قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله – في ( ذيل طبقات الحنابلة ) ( 2/448 ) : ( وحج مرات كثيرة , وجاور بمكة , وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة , وكثرة الطواف أمراً يتعجب منه ) . وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في ” البداية والنهاية ” ( 14/246 ) : ( ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه” .

•حضوره لحلق العلم بمكة : 

قال ابن القيم – رحمه الله –  ” في مفتاح دار السعادة ” ( 2/117  – 119 ): 

( وحضرت مرةً في مجلس بمكة – شرفها الله تعالى – فيه من أكابر البلد , فجرت هذه المسألة , وأخذ بعض الجماعة الحاضرين يطنب في تفضيل النخل وفوائده , وقال في أثناء كلامه : ويكفي في تفضيله أنّا نشتري بنواهُ العنب ؛ فكيف يفضلُ عليه ثمر يكون نواهُ ثمناً له؟! . وقال آخر من الجماعة : قد فصل النبي صلى الله عليه وسلم النزاع في هذه المسألة , وشفى فيها بنهيه عن تسمية شجر العنب كرماً , وقال : ” الكرم قلبُ المؤمن ” , فأي دليل أبينُ من هذا ؟! وأخذوا يبالغون في تقرير ذلك. 

فقلت للأول : ما ذكرته من كون نوى التمر ثمناً للعنب فليس بدليل ؛ فإن هذا له أسباب : 

إحداها : حاجتكم إلى النوى للعلف , فيرغب صاحب العنب فيه لعلف ناضحه وحمولته . 

الثاني : أن نوى العنب لا فائدة فيه ولا يجتمع .

الثالث : أن الأعناب عندكم قليلة جداً , والتمر فأكثر شيء عندكم , فيكثرُ نواه , فيشترى به الشيء  اليسير من العنب , وأما في بلاد فيها سلطان العنب فلا يشترى بالنوى منه شيء ولا قيمة لنوى التمر فيها . 

وقلت لمن أحتج بالحديث : هذا الحديث من حُجج فضل العنب لأنهم كانوا يسمونه شجرة الكرم ؛ لكثرة منافعه وخيره , فإنه يؤكل رطباً ويابساً وحلواً وحامضاً , و تجنى منه أنواع الأشربة والحلوى والدبس وغير ذلك , فسموه كرماً لكثرة خيره ؛ فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن قلب المؤمن أحق منه بهذه التسمية ؛ لكثرة ما أودع الله فيه من الخير والبر والرحمة واللين والعدل والإحسان والنصح وسائر أنواع البر والخير التي وضعها الله في قلب المؤمن , فهو أحق بأن يسمى كرما من شجر العنب . 

ولم يُرد النبي صلى الله عليه وسلم إبطال ما في شجر العنب من منافع والفوائد , وأن تسمية كرما كذب , وأنها لفظة لا معنى تحتها كتسمية الجاهل عالمياً والفاجر برا والبخيل سخياً , ألا ترى أنه لم ينف فوائد شجر العنب , و إنما أخبر أن قلب المؤمن أغزرُ فوائد وأعظم منافع منها ؟! هذا الكلام أو قريب منه جرى في ذلك المجلس .) 

•أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بمكة : 

حرص الإمام ابن القيم – رحمه الله – على القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي إحدى رحلاته للحج , يقول عن بعض المنكرات في كتابه ” إغاثة اللهفان ” (1 / 231 ) مانصه : ( ومن أعظم المنكرات تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله في المسجد الأقصى عشية عرفة , ويقيمونه أيضاً في مسجد الخيف أيام منى ؛ وقد أخر جناهم منه بالضرب والنفي مراراً , ورأيتهم يقيمونه بالمسجد الحرام نفسه , والناس في الدعاء والتضرع والابتهال والضجيج إلى الله , وهم في  هذا السماع الملعون باليراع والدف والغناء ! ) . 

•فقدانه لابنه يوم التروية : 

يقول الامام ابن القيم في كتابه ” مفتاح دار السعادة ” ( 3 / 311 ) : 

( وأخبرك عن نفسي بقضية من ذلك , وهي أني أضللت بعض الأولاد يوم التروية بمكة وكان طفلاً , فجهدت في طلبه والنداء عليه في سائر الركب إلى وقت يوم الثامن , فلم أقدر على خبر , فأيست منه , فقال لي إنسان : إن هذا عجز , اركب وأدخل الآن مكة فتطلبه فيها , فركبت فرساً , فما هو إلا أن استقبلت جماعة يتحدثون في سواد الليل في الطريق وأحدهم يقول : ضاع له شيء فلقيه , فلا أدري انقضاء كلمته كان أسرع أم وجداني الطفل مع بعض أهل مكة في محمله , عرفته بصوته ) . 

•تدوينه للعلم : 

اشتغل الامام ابن القيم – رحمه الله – أثناء مجاورته بمكة بتصنيف العلم وتدوينه وقام بكتابة عدد من مؤلفاته القيمة والتي كان من أبرزها كتابه الفريد ” مفتاح دار السعادة ” حيث يقول في مقدمته ( 1/ 215 – 216 ) ( إذا كان هذا من بعض النزل والتحف التي فتح الله عليّ حين انقطاعي إليه عند بيته , وإلقائي نفسي ببابه مسكينا ذليلاً , وتعرضي لنفحاته في بيته وحوله بكرةً وأصيلاً فما خاب من أنزل به حوائجه , وعلق به آماله , أصبح ببابه مقيماً وبحماه نزيلاً ). 

ومن ذلك أيضاً تأليفه لكتابه ” تهذيب السنن ” إذ يقول في خاتمته ( 8 / 121 ) ما نصه : ( ووقع الفراغ منه في الحجر –  حجر إسماعيل – شرفه الله تعالى تحت الميزاب – ميزاب الرحمة في بيت الله – آخر شوال سنه اثنين وثلاثين وسبعمائة وكان ابتداؤه في رجب من السنة المذكورة). 

•مرضه بمكه واستشفائه بزمزم ورقيته لنفسه : 

لقد اعترى الإمام ابن القيم مجموعة من الأمراض والأسقام أثناء مجاورته للبيت الحرام , وكان يعالج نفسه تارة بماء زمزم وشرب العسل , وتاره بالرقية الشرعية وعن ذلك يقول في كتابة ” مفتاح دار السعادة ” ( 2 / 171 ) : ( ولقد أصابني أيام مقامي بمكة أسقام مختلفة , ولا طبيب هناك ولا أدوية كما في غيرها من المدن , فكنت أستشفي بالعسل وماء زمزم , ورأيت فيها من الشفاء أمرا عجيباً ) . 

و قال في كتابه ” الداء والدواء ” ( ص 8 ) 

( ومكثت بمكه مدة تعتريني , ولا أجد طبيباً ولا دواء , فكنت أعالج نفسي بالفاتحة , فأرى لها تأثير عجيباً , فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً , فكان كثير منهم يبرأ سريعاً . ولكن ها هنا أمر ينبغي التفطن له , وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها , هي في نفسها نافعة شافية , ولكن تستدعي قبول المحل , وقوة همه الفاعل ؛وتأثيره , فمتى تخلّف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل , أو لعدم قبول المحل المنفعل , أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجح فيه الدواء , كما يكون ذلك في الأودية والأدواء الحسية ؛ فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة إذا لذلك الدواء , وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره , فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول , وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام , وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة ؛ أثر في إزالة الداء ). 

ويقول في كتابه ” مدارج السالكين ” (1 / 133 ) : 

( وقد جربت أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أموراً عجيبة . ولا سيما مدة المقام بمكة . فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة , بحيث تكاد تقطع الحركة مني . وذلك في أثناء الطواف وغيرة . 

فأبادر إلى قراءة الفاتحة أمسح بها على محل الأم فكأنه حصاة تسقط . جربت ذلك مراراً عديدة . وكنت آخذ قدحاً من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مراراً . فأشربه فأجد به من النفع والقوة مالم أعهد مثله في الدواء والأمر أعظم من ذلك . ولكن بحسب قوة الإيمان , وصحة اليقين . والله المستعان ) . 

(لَطَائِـفٌ وفَـوَائِـدٌ)         

•ذكره لبعض الأودية بمكة وبالمشاعر المقدسة : 

قال ابن القيم في كتابه ” زاد المعاد ” ( 2/236 – 237) : 

( ومحسَّر : برزخ بين منى ً وبين مزدلفة , لا من هذه , ولا من هذه , وعُرَنةُ: برزخ بين عرفة والمشعر الحرام , فبين كل مشعرين برزخ ليس بمشعر, ومزدلفة : حرم ومشعر , وعُرَنةُ ليست مشعراً , وهي من الحل . وعرفة : حِل ومشعر.)

•ثناؤه  على بعض الفوائد وكونها تساوي رحلة : 

قال الامام ابن القيم – رحمه الله – عن بعض الفوائد التي يقتنصها ويفتح الله بها عليه في كتابه ” بدائع الفوائد ” ( 2/614) : 

( فتأمل هذه الأسرار التي أدناها يساوي رحلة ) .

•واضع رحلة الامام الشافعي : 

قال الامام ابن القيم في كتابه ” مفتاح دار السعادة ” ( 3/ 247):

( عبدالله بن محمد البلوي هذا ؛ فإنه كذابٌ وضّاع , وهو الذي وضع رحلة الشافعي , وذكر فيها مناظرته لأبي يوسف بحضرة الرشيد , ولم يرى الشافعي أبا يوسف ولا اجتمع به قط , وإنما دخل  بغداد بعد موته) . 

•ابن حزم لم يحج قط !:

قال ابن القيم  في كتابه ” زاد المعاد ” (2/213 ) :

( وسألت شيخنا عنه – أي ابن حزم – فقال : هذا من أغلاطه , وهو لم يحج رحمه الله تعالى ). 

•وصفه للحج شعرا ً: 

قال الامام ابن قيم الجوزية في ميميته عن “موقف الحج” : 

أمـا والـذي حـج المحبون بيته****    ولبوا لــه عــند المـهلِّ وأحـرمـوا

وقد كشفوا تلك الرؤوس تواضعاً ****    لـعزةِ مـن تـعنو الوـُجوهُ وتُسـلـمُ

يـهـلون بالـبيـداء لـبـيـك ربـنا**** لك الملك والحمد الذي أنت تعلمُ

دعـاهـم فــلبـوه رضـاً ومـحبـة **** فـلـما دَعـَوه كـان أقـربَ مـنهمُ

وقد فارقوا الأوطان والأهل رغبة  ****ولـم يـثنهم لـذاتهم والـتـنـعـم

يسيرون من أقطارها وفجاجها     **** رجـالاً وركـبـانـاً ولله أسـلمـوا

ولما رأتْ أبصارهُم بـيتهُ الـذي  ****قلوبُ الورى شوقًا إليه تَضرمُ

كأنهمُ لـم يـنصبـوا قـط قـبلـه **** لأن شقاهم قــد ترحل عنهمو

فلله كم مـــــــن عَبرة مهراقة ****وأخرى عـــلى آثارها لا تقدم

وقد شرقت عين المحب بدمعها     **** فينظر من بين الدموع ويسجمُ

إذا عاينته العين زال ظـلالـهـا ****وزال عن القلب الكئيب التألمُ

ولا عجبٌ من ذا فحين أضافهُ       ****إلى نفسه الرحمن ؛ فهو المعظمُ

كساهُ من الإجلال أعظم حُـلـة      ****عـليـهـا طـراز بالمـلاحة مـعلـمُ

فمن أجل ذا كل القلوب تحبهُ     ****وتــخـضعُ إجلالا لـه وتـعـظـمُ

****

@khalidmalansary

—————

*عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

عضو الجمعية السعودية للدراسات الدعوية

-- *خالد بن محمد الأنصاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*