السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العشر من ذي الحجة فضائل ومسائل

العشر من ذي الحجة فضائل ومسائل

تفضيل بعض الخلق والأمكنة والأزمنة على بعض

 ”  _ قد اقتضت حكمة الله – جلا وعلا- أن يُفضل بعض الخلق على بعض ،فقد كرّم الله بني آدم ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثيرا ممن خلق تفضيلا ،

 واختص الله بعض خلقه  من الأناسي بمزيد فضل {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } الأنعام :124

فاصطفى الله رب العالمين رسلا من الناس كرّمهم واصطفاهم واجتباهم وشرّفهم وعظّمهم وأوحى إليهم  ولم يجعلهم لديه سواء {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } البقرة :253

ففضل الله رب العالمين بعض المرسلين على بعض وجعل خاتمة العقد وواسطة الدر محمد – صلى الله عليه وسلم- .

 _ وفضل الله رب العالمين بعض الأمكنة على بعضها فإن الله جعل للمساجد في الأرض فضلا ، وفضل الله – تبارك وتعالى- المسجد الحرام تفضيلا    فجعل الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة ، وجعل الصلاة في مسجد النبي –صلى الله عليه وسلم- بألف صلاة ، وجعل الصلاة في المسجد الأقصى بخمس مئة صلاة ،

وجعل الله رب العالمين حرمين آمنين لا ثالث لهما ، فالله رب العالمين جعل حرمه الأقدس بمكة المكرمة لا تلتقط لقطتها ولا يصاد طائرها ولا وحشها ، فجعل الله رب العالمين في مكة السلام ظاهرا وشاملا وباديا ، وألحق الله رب العالمين بهذا الحرم حرما هو حرم نبيه – صلى الله عليه وسلم- ، وجعل الله رب العالمين لنبيه – صلى الله عليه وسلم- المدينة ما بين لابتيها حرما آمنا فيأرز الإيمان إلى المدينة في آخر الزمان ، ولا يدخلها الدجال عندما يخرج بفتنه للناس ،وجعل على أنقاض المدينة ملائكة يصدون في وجهه ويدفعونه فلا يستطيع أن يدخل المدينة .

_ وفضل الله رب العالمين بعض الأزمنة على بعض ، فضل الله رب العالمين شهر رمضان وفضل الله رب العالمين فيه ليلة على ما سواها من الليالي فجعل قيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا من أصابها وأدركها ووفق للعمل الصالح فيها كانت له خيرا من ألف شهر ،

وفضل الله رب العالمين يوم الجمعة ، وفضل الله رب العالمين العشر الأواخر من ذي الحِجة _  تكسر وتفتح _ ؛

فضّل الله رب العالمين بعض الأماكن على بعض ،وبعض الأزمان على بعض ، من أجل أن يتدارك المقصر في الزمان الطويل ما فاته من ذلك في الزمان القصير فضلا من الله ونعمة وهو رب العالمين وأرحم الراحمين . ”   – من خطبة لفضيلة الشيخ محمد سعيد رسلان –حفظه الله-  .

ما ورد في فضل الأيام العشر من ذي الحجة

أولا: الآيات :

  _ قال تعالى :  {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)} الفجر .

قال ابن كثير : ” ( والليالي العشر ) المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله بن عباس وبن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف. ”   وصحح ابن كثير هذا  القول .

قال الطبري : ” والصواب من القول في ذلك عندنا: أنها عشر الأضحى, لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه ” .

_ قال تعالى : {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } الحج :28

قال البغوي :   ” ويذكروا اسم الله في أيام معلومات “، يعني عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين. قيل لها ((معلومات)) للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. “

_ قال تعالى :{ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } الأعراف : 142

قال ابن كثير –رحمه الله- : ” يقول تعالى ممتناً على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية بتكليمه موسى عليه السلام وإعطائه التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة قال المفسرون فصامها موسى عليه السلام وطواها فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة فأمره الله تعالى أن يكمل بعشر أربعين،

 وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة والعشر عشر ذي الحجة قاله مجاهد ومسروق وابن جريج وروي عن ابن عباس وغيره فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر وحصل فيه التكليم لموسى عليه السلام ” .

 فالعشر المذكورة في هذه الآية العشر من ذي الحجة .

” فأقسم الله – تبارك وتعالى- بالليالي العشر الأول من ذي الحجة لفضلهن ّ وعظيم قدرهنّ ، ولأن الله – جلت قدرته- جعل في هذا الزمان من أمات العبادة ما لا يجتمع إلا فيه ففيه صلاة ، وصيام، وصدقة ، وحج ، وفيه يخرج الناس في تلك الأوقات التي حددها الشرع من أجل الإتيان بالنسك على الوجه الصحيح في يوم التروية، وفي يوم عرفة، وفي يوم النحر  ؛

 فهذا الزمان الجليل فضله الله رب العالمين تفضيلا وجعله من تمام الأربعين التي واعدها موسى –عليه السلام- في أول الأربعين أو في آخرها على اختلاف بين أهل العلم . ” – نفس المصدر السابق .

ثانيا : الأحاديث :

_ الأيام العشر هي أفضل أيام الدنيا :

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنْه قَال: قَال رسول الله صلى الله علَيه وسلم:    “أفضل أيام الدنيا أيام الْعشر، يعْنِي عشر ذي الحجة ” -صححه الألباني في صحيح الجامع برقم 1133 “

قال – صلى الله عليه وسلم-  : ” أفضل أيام الدنيا العشر – يعني : عشر ذي الحجة – . قيل : ولا مثلهن في سبيل الله ؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله ، إلا رجل عفر وجهه بالتراب . ” — أخرجه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم :1150 من رواية جابر بن عبد الله ._

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ( فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 2/534 ): والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه, وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج, ولا يتأتى ذلك في غيره.

_  العمل الصالح في الأيام العشر أحب إلى الله من العمل في غيرها :

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ” ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر – قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاّ رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء” . – رواه البخاري-.

وعنِ ابنِ عباس -رضي الله عنهما- عنِ النبِي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من عمل أَزكى عند اللَّه عز وجل ولا أَعظم أَجرا من خير يعمله في عشر الأضحى، قيل: ولا الجهاد في سبيل اللَّه عز وجَلَّ، قال: ولا الجِهاد في سبِيلِ اللَّه عز وجل، إَلا رجل خرج بنَفسِه وماله فلم يرجِع من ذلك بِشيء.”

 قال ( أي: راوي الحديث ): وكَان سعيد بن جبير إِذا دخَل أَيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكَاد يقدر علَيه. – حسن. صحيح الترغيب والترهيب للألباني1148 –

شرح الأحاديث:

” قال ابن حجر ( فتح الباري، 2/533 ) وفي الحديث تعظيم قدر الجهاد وتفاوت درجاته وأن الغاية القصوى فيه بذل النفس لله، وفيه تفضيل بعض الأزمنة على بعض، كالأمكنة، وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة، وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر الصيام أو علق عملاً من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يوماً منها تعين يوم عرفة، لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة، جمعاً بين حديث الباب وبين حديث أبي هريرة مرفوعاً: ” خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ” [ صحيح مسلم، (17/854) و(18/854) ]، أشار إلى ذلك كله النووي في شرحه.

وقال ابن رجب الحنبلي ( لطائف المعارف، 520-521 ): وقد دلت هذه الأحاديث على أن العمل في أيام ذي الحجة أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده … ولهذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ” ولا الجهاد في سبيل الله “، ثم استثنى جهاداً واحداً هو أفضل الجهاد … ( فعن جابر رضي الله عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قال: أن يعقر جوادك ويهراق دمك. [ صحيح / صحيح ابن حبان، 4639 ] ) … فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر … و أما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله عز وجل منها. أ.هـ. ” – صيد الفوائد –

_ وقد كان السلف يعظمون العشر من ذي الحجة ،  قال أبو عثمان النهدي – رحمه الله- : ” كانوا يعظمون ثلاث عشرات : العشر الأخير من رمضان ، والعشر الأول من ذي الحجة ،والعشر الأول من المحرم ”  – لطائف المعارف صـــ39 –

ومن الأعمال المستحبة في هذه الأيام:

” الصلاة:

 يستحب التبكير إلى الفرائض، والإكثار من النوافل، فإنها من أفضل القربات. روى ثوبان قال: سمعت رسول الله يقول: { عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة } [رواه مسلم] وهذا عام في كل وقت. ” – فضل أيام عشر ذي الحجة محمد بن صالح العثيمين دار الوطن-

 ” الصيام:

 قال ابن رجب الحنبلي ( لطائف المعارف، 522 ):” وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.”

 ويقول أكثر العلماء أو كثير منهم بفضل صيام هذه الأيام. ولا يعترض على هذا بما روته عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ. [ صحيح مسلم، (9/1176) ]. وقد قال الإمام النووي في تفسيره لهذا الحديث ( شرح صحيح مسلم، 4/328 ): إن هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا: وهذا مما يتأول، فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابا شديدا، لاسيما التاسع منها، وهو يوم عرفة … ( والأحاديث الصحيحة السابقة تؤكد على اختصاص هذه الأيام بفضل العمل الصالح، فبذلك ) … يتأول قولها: لم يصم العشر، أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائما فيه، أ.هـ.، أو لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته، كما جاء في الصحيحين، من حديث عائشة أيضا، قاله ابن حجر في الفتح ( 2/534 )، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر. وعقّب ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ( 523 ) بقوله: وكان ابن سيرين يكره أن يقال: صام العشر لأنه يوهم دخول يوم النحر فيه، وإنما يقال: صام التسع، ولكن الصيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه.

 قيام الليل :

قال ابن رجب الحنبلي ( لطائف المعارف، 524 ): وأما قيام ليالي العشر فمستحب. وورد إجابة الدعاء فيها. واستحبه الشافعي وغيره من العلماء. وكان سعيد بن جبير، وهو الذي روى الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه، وروي عنه أنه قال: ” لا تطفئوا سرُجُكم ليالي العشر “، تعجبه العبادة.

 ذكر الله:

قال ابن رجب الحنبلي ( لطائف المعارف، 524 ): وأما استحباب الإكثار من الذكر فيها فقد دل عليه قول الله عز وجل: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } [ الحج: 28 ]. فإن الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء.

 وروى البخاري في صحيحه: “وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. وروى أيضا: وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ اْلأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا.

 وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ اْلأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ اْلأَيَّامَ جَمِيعًا.

 وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ.

وحري بنا نحن المسلمين أن نحيي هذه السنة التي قد أضيعت في هذه الأزمان، وتكاد تُنسى حتى من أهل الصلاح والخير.

 ” صيغة التكبير:

أ ) الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر كبيراً.

ب ) الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. والله أكبر. الله أكبر ولله الحمد.

جـ ) الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. والله أكبر. الله أكبر. الله أكبر ولله الحمد. ” – فضل أيام عشر ذي الحجة محمد بن صالح العثيمين دار الوطن-

التوبة إلى الله:

فعلينا استقبال هذه الأيام بأن نبرأ إلى الله تعالى من كل معصية كنا نعملها، والإقلاع عن كل ما نهى تعالى عنه. فإن الذنوب تحرم الإنسان فضل ربه، وتحجب القلب عن معرفة الله.

تجديد النية باغتنام هذه الأيام بما يرضي الله: فحري بالمسلم استقبال مواسم الخير عامة بالعزم الأكيد على اغتنامها بما يرضي الله تعالى. فلنحرص على اغتنام هذه الفرصة السانحة، قبل أن تفوت فلا ينفع الندم حينئذ.

هذا بالإضافة إلى الأعمال الفاضلة الثابتة الأخرى، مثل الحرص على الصلاة في جماعة، والحرص على الوقوف في الصف الأول في الجماعة، والحرص على الإكثار من الصدقة، والإكثار من قراءة القرآن، والإكثار من الدعاء في هذه الأيام. ” -صيد الفوائد – .

مسألتين هامتين

 ” الأولى : دعوى تعارض الأحاديث بشأن صيام النبي – صلى الله عليه وسلم – في العشر الأوائل من ذي الحجة:  – مختلف الحديث عند الإمام أحمد، د. عبد الله بن فوزان بن صالح الفوزان، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1428هـ. السيدة عائشة وتوثيقها للسنة، د. جيهان رفعت فوزي، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1421هـ/ 2001م.-

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتوهمين أن هناك تعارضا بين أحاديث صيام النبي – صلى الله عليه وسلم – في العشر الأوائل من ذي الحجة. مستدلين على ذلك بحديث عائشة – رضي الله عنها – قالت:«ما رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صائما في العشر قط»، وما رواه هنيدة – رضي الله عنه – عن امرأته قالت: «حدثتني بعض نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- أن النبي كان يصوم عاشوراء، وتسعا من ذي الحجة، وثلاثة أيام من الشهر؛ أول اثنين من الشهر، وخميسين»،

زاعمين أن الأول ينفي صيام النبي – صلى الله عليه وسلم – لهذه العشر،

والثاني يثبت صيام النبي – صلى الله عليه وسلم – لها، فأيهما نصدق؟!! هادفين من وراء ذلك إلى الطعن في أحاديث صوم النبي – صلى الله عليه وسلم – في العشر الأوائل من ذي الحجة، ومن ثم إنكار صوم النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذه الأيام.

وجها إبطال الشبهة:

1) إن حديثي عائشة وهنيدة – رضي الله عنهما – صحيحان، ولا تعارض بينهما؛ إذ إن حديث هنيدة – رضي الله عنه – يثبت صوم النبي – صلى الله عليه وسلم – لهذه الأيام، أما حديث عائشة – رضي الله عنها – فينفي صومه للعشر، وهذا النفي له أسباب، إما لعدم رؤية عائشة – رضي الله عنها – النبي -صلى الله عليه وسلم- صائما في هذه الأيام، أو لعارض آخر، كسفر أو مرض،

 كما أنه قد دلت روايات أخرى لحديث عائشة – رضي الله عنها – على أن النفي هو للعشرة كلها، منها: «أن النبي – صلى الله عليه وسلم- لم يصم العشر»، فيحتمل أنه كان يصوم منها أياما، وهكذا يتضح عدم التعارض.

2) لقد حث النبي – صلى الله عليه وسلم – على الصيام في أيام العشر، وسن العمل الصالح فيها عموما، مما يؤكد عظيم فضل هذه الأيام

.

التفصيل:

أولا:

. حديثا عائشة وهنيدة – رضي الله عنهما – صحيحان، ولا تعارض بينهما:

إن الأحاديث الواردة في فضل العشر الأوائل من ذي الحجة – والتي سنذكرها في الوجه الثاني من وجوه الرد – لتدل على عظم هذه الأيام وثواب العمل الصالح فيها، وخاصة الصيام، فقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يصوم الأيام التسعة، ويرغب في صيامها، وقد دلت على ذلك أحاديث كثيرة صحيحة ذكرناها، لكن هناك حديثا آخر وهو صحيح أيضا لكن بعض العلماء قد ضعفه – وهذا الحديث قد اعترض به المعترض، وترك الأحاديث المتفق على صحتها؛ ليثبت أن هناك تعارضا بين أحاديث الصيام في عشر ذي الحجة – وهو حديث هنيدة – رضي الله عنه – عن امرأته قالت: «حدثتني بعض نساء النبي – صلى الله عليه وسلم – أن النبي كان يصوم يوم عاشوراء، وتسعا من ذي الحجة، وثلاثة أيام من الشهر؛ أول اثنين من الشهر، وخميسين» – صحيح: أخرجه النسائي في سننه، كتاب: الصيام، باب: صوم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ بأبي وهو وأمي ـ وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك، (1/ 382)، رقم (2384). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي برقم (2372). –

ولهذا الحديث روايات أخرى عديدة، في بعضها الصيام في العشر، وبعضها الآخر غير مذكور فيه، وهذه الروايات ضعيفة للاضطراب الواقع في سندها ومتنها، أما هذه الرواية المذكورة فصحيحة، وهي عن أبي عوانة عن الحر بن الصياح عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم – انظر: مختلف الحديث عند الإمام أحمد، د. عبد الله بن فوزان بن صالح الفوزان، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1428هـ، (2/ 739). –

 وقد صححها الشيخ الألباني في تعليقه على سنن النسائي من طريقي زكريا بن يحيى عن شيبان، وأحمد بن يحيى عن أبي نعيم، فهاتان روايتان صحيحتان.

إن صحة الحديث أو ضعفه لا تؤثر في كلامنا عن عدم التعارض في أحاديث صيام العشر، فإن كان الحديث صحيحا فإنه يساند الشواهد الأخرى وهي تسانده، فهي تفيد المعنى نفسه، وعندنا من الصحيح غيره كثير، وإن كان ضعيفا فإن الشواهد تقويه وتسانده، فالحديث الضعيف يتقوى بغيره من الشواهد والمتابعات، وعندنا من الصحيح ما يكفي، ففي الحديث الصحيح غنية عن الضعيف، وفي كلتا الحالتين لا يهمنا ذلك؛ لعدم وجود تعارض بين أحاديث الصيام في العشر.

إن حديث هنيدة – رضي الله عنه – يثبت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يصوم الأيام التسعة من ذي الحجة، وله شواهد أخرى تثبت هذا الصيام، مثل: حديث أبي داود الذي ذكرناه، وقول ابن حجر في شرحه صحيح البخاري، أما حديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: «ما رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صائما في العشر قط» – صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الاعتكاف، باب: صوم عشر ذي الحجة (4/ 1836)، رقم (2743).-

، فإنه صحيح أيضا، ولكنه ينفي صيام النبي – صلى الله عليه وسلم – لهذه الأيام، وللتوفيق بين هذين الحديثين نقول:

1. من المعلوم والمقرر شرعا أن المثبت مقدم على النافي إن صح، وهكذا يقدم المثبت للصيام – وله شواهد أخرى تقويه وتسانده – على النافي لهذا الصيام، وهـذا مثـل قـول عائشة – رضي الله عنها – في عدم بول النبي – صلى الله عليه وسلم – واقفا أيضا.

2. إن هناك روايات أخرى لحديث عائشة – رضي الله عنها – منها: قولها:«أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يصم العشر» – صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الاعتكاف، باب: صوم عشر ذي الحجة، (4/ 1836، 1837)، رقم (2744). -،

ومنها قولها: «ما رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صائما العشر قط» – صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (بشرح عون المعبود)، كتاب: الصيام، باب: في فطر العشر، (7/ 75)، رقم (2436). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (2439). -،

وبمثل هاتين الروايتين يصح الجمع بين الحديثين؛ لاحتمال أنه لم يصم العشرة كلها، ويكون هذا حسب ما رأته السيدة عائشة – رضي الله عنها – من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لاحتمال أنه يكون مفطرا في أيامها – رضي الله عنها – ويكون صائما في أيام غيرها من زوجاته، فتروي عنه أنه لم يفطر، بل صام الأيام التسعة.

يقول الشيخ الفوزان: وقيل: يـجمع بينهما بأن نفي عائشة – رضي الله عنها – المراد به كل العشر، وهذا لا ينفي أنه كان يصوم منها أياما، كما دلت على ذلك أحاديث أخرى، وتعقب ابن رجب هذا الجواب بقوله: وهذا الجمع يصح في رواية من روى «ما رأيته صائما العشر»، وأما من روى «ما رأيته صائما في العشر» فيبعد أو يتعذر هذا الجمع فيه- مختلف الحديث عند الإمام أحمد، د. عبد الله بن فوزان بن صالح الفوزان، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1428هـ، (2/ 741، 742) بتصرف. -؛

وذلك لأن رواية “ما رأيته صائما في العشر” تقرر أنه لم يصم أي يوم منها، أما رواية «ما رأيته صائما العشر» فتقرر أنه قد صام بعض الأيام وترك بعضها، فلم يصمها كلها.

وقد ساق الإمام الطحاوي الأحاديث التي فيها فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، ثم أورد قول المعترض بحديث عائشة – رضي الله عنها – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يصم هذه الأيام، قال المعترض: “فكيف يكون للعمل في هذه الأيام من الفضل ما قد ذكره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيها، ثم يتخلف عن الصوم فيها، وهو من أفضل الأعمال؟

فكان جواب الطحاوي في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن يصوم فيها على ما قالت عائشة – رضي الله عنها؛ لأنه كان إذا صام ضعف عن أن يعمل فيها ما هو أعظم منزلة من الصوم، وأفضل من الصلاة، ومن ذكر الله – عز وجل – وقراءة القرآن، كما قد روي عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – في ذلك مما كان يختاره لنفسه… فيكون ما قد ذكرته عائشة – رضي الله عنها – عنه – صلى الله عليه وسلم – من تركه الصوم في تلك الأيام؛ ليتشاغل فيها بما هو أفضل منه، وإن كان الصوم فيها له من الفضل ما له مما قد ذكر في هذه الآثار التي قد ذكرناها فيه، وليس ذلك بمانع أحدا من الميل إلى الصوم فيها، لا سيما من قدر على جمع الصوم مع غيره من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله – عز وجل – سواه” – شرح مشكل الآثار، الطحاوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1415هـ/ 1994م، (7/ 418، 419).- .

ويؤيد ذلك ما قاله النووي – رحمه الله – في شرحه لصحيح مسلم، تعليقا على حديث عائشة – رضي الله عنها: ” قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يتأول، فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابا شديدا، لاسيما التاسع منها، وهو يوم عرفة… فيتأول قولها “لم يصم العشر” أنه لم يصمه؛ لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائما فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر”-]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (4/ 1837).. .

وكذلك ما قاله ابن حجر: “احتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل، وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته” – فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (2/ 534).- .

وهكذا يتبين عدم التعارض بين أحاديث صيام النبي – صلى الله عليه وسلم – في عشر ذي الحجة؛ فكل راو يروي ما رآه.

ثانيا:

ترغيب النبي – صلى الله عليه وسلم – للعمل الصالح في عشر ذي الحجة يؤكد فضل هذه الأيام، ولاسيما صيامها:

يقول الله عز وجل: )وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (133)( (آل عمران)،

هكذا يحثنا الله – عز وجل – ثم يحثنا نبيه – صلى الله عليه وسلم – على استغلال فرص الطاعات التي لا تأتي إلا قليلا، ومن هذه النفحات عشر ذي الحجة التي حثنا النبي – صلى الله عليه وسلم – على العمل الصالح فيها عموما، ثم خصص بعض أيامها بفضائل أخر،

أما عن عموم الأيام فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه ابن عباس – رضي الله عنهما: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» -]. صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (بشرح عون المعبود)، كتاب: الصيام، باب: في صوم العشر، (7/ 74)، رقم (2435). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (2438). –

قال الحافظ ابن حجر في “الفتح” : “واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة؛ لاندراج الصوم في العمل ” – فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (2/ 534).-.

فالعمل الصالح يشمل: الصلاة والصيام والصدقة والذكر بأنواعه، ويرجح هذا ما ثبت في سنن أبي داود وغيره عن بعض أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – قالت: «كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر؛ أول اثنين من الشهر، والخميس» – صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (بشرح عون المعبود)، كتاب: الصوم، باب: في صوم العشر، (7/ 73، 74)، رقم (2434). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (2437). -. .

وقال عز وجل: )ويذكروا اسم الله في أيام معلومات( (الحج: ٢٨)، قال ابن عباس: هي أيام العشر- انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (2/ 531).-.

وقال البخاري – في تبويبه لفضل العلم في أيام التشريق: «وكان ابن عمر وأبو هريرة – رضي الله عنهم – يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما» – صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق، (2/ 530) معلقا- .

والفضل في الأيام العشر ينحصر في نهارها، بخلاف فضل الأيام العشر الأخيرة من رمضان فالفضل محصور في لياليها.

هذا عن فضل الأيام العشر بصفة عامة، والعمل الصالح فيها، لكن هناك أحاديث في فضل بعض الأيام على بعض، ومن ذلك ما جاء في فضل يوم عرفة – وهو التاسع من ذي الحجة – والحث على صيامه، فعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «… صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده…» – صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء… (4/ 1816)، رقم (2700).-  ،

والمراد بها: الصغائر، وكذلك فإن يوم عرفة هو أفضل أيام السنة، كما أن ليلة القدر هي أفضل الليالي؛ وذلك لما رواه مسلم من حديث عائشة – رضي الله عنها – قالت:«إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة» – صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، (5/ 2103)، رقم (3230). –

وقد ذكر ابن القيم – رحمه الله – ما قيل في فضل يوم عرفة، فقال: “وقيل: يوم عرفة أفضل منه – أي: من يوم النحر – وهذا هو المعروف عند أصحاب الشافعي، قالوا: لأنه يوم الحج الأكبر، وصيامه يكفر سنتين، وما من يوم يعتق الله فيه الرقاب أكثر منه في يوم عرفة؛ ولأنه -عز وجل- يدنو فيه من عباده، ثم يباهي ملائكته بأهل الموقف”- زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط8، 1405هـ/ 1985م، (1/ 54، 55). –

.

“وقد اختلف العلماء في صيام يوم عرفة للحاج، وأكثرهم يستحبون له الفطر؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يصمه، فعن أم الفضل بنت الحارث – رضي الله عنها: «أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربه»- صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصوم، باب: صوم يوم عرفة، (4/ 278)، رقم (1988). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الصيام، باب: استحباب الفطر للحاج يوم عرفة، (4/ 1772)، رقم (2591). -، ويؤيد ذلك ما رواه عقبة بن عامر مرفوعا: «يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» – صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (بشرح عون المعبود)، كتاب: الصيام، باب: صيام أيام التشريق، (7/ 46)، رقم (2416). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (2419).- .  تمام المنة للعزازي .

والواضح أن استحباب فطر يوم عرفة هنا مقصور على الحجاج؛ لأن الأحاديث الواردة في فضل صيامه صحيحة.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «أتيته بعرفة، فوجدته يأكل رمانا، فقال: ادن فكل، لعلك صائم؟ إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان لا يصومه…» – صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، رقم (3266). وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.- ،

وعن نافع قال: «سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة؟ فقال: لم يصمه النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان» -]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، (7/ 214)، رقم (5411). وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند. –

والعلة من إفطار الحاج ليوم عرفة هي أن يتقوى الحاج بالطعام والشراب للذكر والدعاء والعبادة والأعمال المطلوبة في هذا اليوم، ولأنه يوم عيد لأهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه -انظر: الدين الخالص، محمود خطاب السبكي، دار المنار، القاهرة، 2005/، (8/ 395، 396)..

وقال جماعة: يستحب صوم يوم عرفة ولو للحاج، إلا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات، ويكون مخلا له في الدعوات؛ ولذا قالوا: “يستحب فطره – للحاج، حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم”  – فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (4/ 280). -.

وقد سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة، فقال: «حججت مع النبي – صلى الله عليه وسلم – فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه» – صحيح: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية صوم يوم عرفة بعرفة، (3/ 379)، رقم (748). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (751).

 -.

وخلاصة القول في حكم صيام يوم عرفة: أنه جائز للحاج ولغيره، ولكن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى عن صيامه للحاج، إذا وجد ضعفا في نفسه لا يستطيع به القيام بالأعمال الأخرى، كالذكر والدعاء والابتهال يوم عرفة، أما إذا وجد قوة في نفسه يستطيع بها الصوم فليصم.

وهكذا يتبين من الكلام السابق استحباب العمل الصالح في أيام العشر، مثل: الصلاة والصيام والذكر والدعاء، ولقد سن لنا النبي – صلى الله عليه وسلم – صيام الأيام التسعة، وأكد استحباب صوم يوم عرفة لمن قدر على صيامه، سواء كان حاجا أو غير حاج.

الخلاصة:

·إن حديث هنيدة في صيام النبي – صلى الله عليه وسلم – الأيام التسعة من ذي الحجة – حديث صحيح، وكذلك حديث عائشة – رضي الله عنها – الذي ظاهره نفي ذلك صحيح أيضا.

·لا تعارض بين حديث هنيدة وحديث عائشة – رضي الله عنهما، فكل يروي ما رآه أو سمعه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وكل له علته وسببه،

وقد جمع العلماء بينهما، فقال بعضهم:

حديث هنيدة هو المثبت، وحديث عائشة هو النافي، فقدم الأول؛ لأنه من المعلوم شرعا أن “المثبت مقدم على النافي إن صح”.

وقال آخرون: لحديث عائشة روايات أخرى تدل على أن النفي هو للعشرة كلها، فيحتمل أنه كان يصوم منها أياما، ومن هذه الروايات قولها: أن النبي لم يصم العشر.

وقيل: يـحتمل أن عائشة لم تره صائما في هذه الأيام لعارض آخر، كسفر أو مرض أو نحوهما.

لقد حث النبي – صلى الله عليه وسلم – على العمل الصالح في عشر ذي الحجة، وقرر أن العمل فيها أفضل العمل لا يعدله شيء حتى الجهاد في سبيل الله، كما حث على الصيام فيها، فهو ضمن العمل الصالح الذي له عظيم الأجر، خاصة في يوم عرفة. ”  هذا المبحث كله مأخوذ من موقع بيان الإسلام للرد على الشبهات والافتراءات_ .

الثانية : أيهما أفضل العشر الأول من ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان ؟

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تيمية – رَحِمَهُ اللَّه – عن: “عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟

فَأَجَابَ: أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاللَّيَالِي الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ لَيَالِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ.

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمُ: وَإِذَا تَأَمَّلَ الْفَاضِلُ اللَّبِيبُ هَذَا الْجَوَابَ وَجَدَهُ شَافِيًا كَافِيًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِيهَا: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَأَمَّا لَيَالِي عَشْرِ رَمَضَانَ فَهِيَ لَيَالِي الْإِحْيَاءِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُحْيِيهَا كُلَّهَا، وَفِيهَا لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فَمَنْ أَجَابَ بِغَيْرِ هَذَا التَّفْصِيلِ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُدْلِيَ بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ”-مجموع فتاوى ابن تيمية ج6/ص100- .

ويقول الإمام ابن رجب – رحمه الله تعالى – معلقاً على هذا الحديث: “فيدخل في ذلك تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في جميع أعشار الشهور كلها، ومن ذلك عشر رمضان، لكن فرائض عشر ذي الحجة أفضل من فرائض سائر الأعشار، ونوافله أفضل من نوافلها، فأما نوافل العشر فليست أفضل من فرائض غيره، وحينئذ؛ فصيام عشر رمضان أفضل من صيام عشر ذي الحجة؛ لأن الفرض أفضل من النفل، وأما نوافل عشر ذي الحجة فأفضل من نوافل عشر رمضان، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره”.

—-

-- جمع وترتيب:عاصم سلطان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*