الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المُوَاطَنة وأثرها في حل فتن الطائفية

المُوَاطَنة وأثرها في حل فتن الطائفية

حقيقة واقعية:

باتت الطائفية بمفهومها الأوسع الديني والعِرقي والمذهبي، داء العصر الذي يمكن ان يقضي على أكثر الدول تماسكاً وقوة، ان استعر أوارها في مجتمع أو دولة ما، وقد تولدت فكرة الطائفية مع بدايات العصر الحديث في أوروبا، ثم انتقلت عدواها الى العالم الاسلامي في القرن التاسع عشر الميلادي، ونجحت الدول الأوروبية باستعمال هذا السلاح في تفتيت الدولة العثمانية والقضاء عليها بعد صراع عسكري مرير معها استمر لفترات طويلة، وقد نجح العثمانيون في اطفاء جذوة الطائفية ووأدها طوال تاريخهم الطويل، ليس بقمع الأقليات – على كثرتها – بل بالمساواة بين جميع فئات المجتمع على أساس المُواطَنَة، وبمعاملة الطوائف والعِرقِيات وأبناء الديانات الأخرى المعامَلة ذاتها التي يُعامَل بها أبناء العِرق التركي، وفق معيار الرابطة العثمانية، فيما يعرف في الوقت الراهن بـ(الجنسية)، ومع تشكل الدول القطرية في بلدان العالم الاسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين عقب نيلها استقلالها، انفلتت الطائفية من عقالها من جديد، بمسمياتها المختلفة، فتارة تطل باسم الدين، وتارة باسم المذهب، وتارة باسم العِرْق، وفي كل الأحوال لا ينبغي الاستهانة بها أو تجاهلها، أو السعي للتخلص منها بالوسائل والأساليب الالغائية والقمعية، لأن ذلك قد يسكت صوتها لبعض الوقت، ويغيب صورتها آنيا عن المشهد السياسي والاجتماعي لهذا البلد أو ذاك، لكن لا يحل المشكلة أبداً، ويصبح وضع الأمة والحالة هذه كالذي يضع الجمر تحت الرماد، فما يلبث الا ان يكون له ضِرام بعد حين، اذ ستعاود الطائفية الظهور من جديد حين تتوفر أسبابه، وعندئذ ستخرج عن السيطرة وتتفاقم وتصبح أزمة لا تنتهي الا بتفكيك البلد أو الدولة التي تصيبها.

ومع هذا فالطائفية كما يرى الكثير من المحللين ليست بالقضية المعقدة ان تعاملت الدول معها بالشكل الصحيح، وبحثت في أسبابها وعالجت ظواهرها، وهنا نلاحظ أن التركيبة الاجتماعية في العديد من البلدان العربية والاسلامية، تشير الى ان الطائفية في هذه البلدان لم يكن لها أي وجود على أرض الواقع، وأن تقديرات البعض في تحليل هذه الظاهرة مبالغ فيها، وغير منسجمة مع التكوين البنيوي لمجتمعات تلك الدول، ولتقريب الصورة لابد من تسليط الضوء على المشهد السياسي في بلدان عربية واسلامية محددة – تركيا والبحرين – كانت بذرة الطائفية فيها كامنة الى زمن قريب، ثم ما لبثت ان استيقظت، كما أنه يكاد يخلو بلد عربي أو اسلامي في الوقت الراهن من وجود جرثومتها الفتاكة في نسيجه الاجتماعي، فتركيا بلد اسلامي تكابد الطائفية العِرقية، والبحرين بلد عربي يكتوي بنار المذهبية البغيضة، مما يفسح المجال للتكهن بوجود أياد غريبة تقف وراء هذه الفتنة كما يسميها البعض، ويعزز رأي القائلين بأن ما يحدث انما هي مؤامرة خارجية تحاك ضد هذين البلدين لإضعافهما وتحقيق أهداف الجهات التي تحرك اللعبة في الخفاء.

اذا يممتَ وجهك نحو دول الخليج، تجد ريح الأطماع الايرانية بادية تشتمها من بعيد، فقد ذهب البعض الى الربط بين التدخل الايراني وبين ما يتأجج فيها من نار الطائفية المذهبية، وفيها تسويق للمشروع الايراني الكبير في المنطقة العربية، والذي يهدف لابتلاعها ووضعها تحت الهيمنة الايرانية، ويرى هؤلاء ان الثورة الايرانية أطلقت عقال الغول الطائفي في المنطقة العربية، وأوجدت تحالفات بين العديد من القوى الاقليمية، مثل سورية ولبنان.

في مفهوم الدولة العصرية المواطن له حقوق انسانية يجب ان تقدم اليه، وعليه مسؤوليات اجتماعية يجب الالتزام بها وتأديتها وفق نظرية العِقْد الاجتماعي التي نادى بها الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ومن قبله ابن خلدون، وينبثق عن المُواطَنة مصطلح «المواطن الفعال» الذي تجسده قيمة الانتماء وتدفعه للمشاركة في رفع مستوى مجتمعه الحضاري عند القيام بالواجب الوظيفي الرسمي، أو العمل التطوعي الذي يؤديه باختياره، وتعد الطائفية انفلاتاً وتحللاً من هذا العِقْد وتقويضاً لأركانه، لأنها تنقض عرى الولاء للوطن والدولة، وتجافي قيم المواطنة الصالحة الفَعّالة، لأجل هذا تنبذ الأمة من يتخلى عن هذه القيم، وتصف فعله بالطائفي وتربطه بفكرة المؤامرة، وتتهم صاحبها بالخيانة وبالتآمر على الأوطان.

واذا كان الأمر كذلك فبماذا يُفسر سلوك شرائح اجتماعية معينة في بلدان خليجية مطموع فيها ومستهدفة!! التي تعدّ المثال الواضح على هذا الاستهداف، حيث يحاول الحراك الطائفي فيها الظهور بأنه حراك شعبي عفوي يؤمن بالديموقراطية ويطالب بالتعددية السياسية والعدالة الاجتماعية، ويختبئ خلف مطالب حياتية يومية مشروعة.

بالمحاصصة السياسية والامتيازات الوظيفية، وفي هذا الوقت بالذات في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية تحولات جذرية في تكوينها السياسي والاجتماعي، في ظل ما بات يعرف بالربيع العربي، لمؤشر كبير على أنهم يعملون بأجندة خارجية، وبمنطلقات طائفية مذهبية، وبتحريك وتوجيه ودعم ايراني مطلق، في مسعىً حثيث لتنفيذ المشروع الايراني المتكامل بأهدافه وخطوطه العامة، وقد كان شيعة الخليج وحتى عهد قريب من بدء حراكهم الحالي، جزءاً مكملاً للنسيج الاجتماعي ومتجانساً معه، حيث عملت بعض دول الخليج في عقود سابقة على تجنيس أعداد كبيرة من الايرانيين الشيعة على قاعدة المواطنة، دون أية اعتبارات مذهبية أو حساسيات سياسية، لارضاء أبناء طائفتهم من الشيعة الخليجيين.

في تركيا العِرقية قائمة مع الأكراد، ويلعب العامل الجغرافي دوراً مؤثراً في حِراكهم السياسي، اذ يتركز وجودهم في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية من تركيا، وهي من الناحية الجغرفية امتداد لما يسمى منطقة كردستان، وهم يشكلون أغلبية سكانية في هذه المنطقة، اضافة الى ان عددهم الاجمالي بين سكان تركيا يتجاوز 15 مليون نسمة، أي ما يعادل %20 من المجموع العام للسكان.

ان ظاهرة الطائفية تربتها خصبة ومهيأة بالأصل للانبات، وقابلة لأن تكون مشكلة في كل من تركيا، مثلها مثل الكثير من البلدان العربية والاسلامية! ويحتاج علاجها لئن تحلل بعمق برؤيتها من الداخل، من أجل كشف دوافعها الحقيقية واستئصال هذه العلة من جذورها، وقد برزت في الأونة الأخيرة على سطح الأحداث في تركيا والبحرين بشكل يسترعي الانتباه، ويرى البعض أنها مشكلة مفتعلة ومضخمة، بينما يراها آخرون بحجمها الطبيعي والحقيقي، وأنها قضية مشروعة، واذا كانت كذلك، فهنا يبطل دور العامل الخارجي، والا فان هذين البلدين يتعرضان لمؤامرة خارجية كما تذكرأجهزة الاعلام الرسمية فيهما!! قامت تركيا بعد تأسيس الجمهورية عام 1924م على أسس الديموقراطية العلمانية، ومنذ ذلك الحين شعر الأكراد بانتقاص حقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية في ظل هذه الدولة كمواطنين، وبالمساواة مع سائر المكونات السكانية الأخرى، المجتمع التركي بمكوناته المتعددة الأعراق والديانات، ووفق التوزع الجغرافي لهذه المكونات مهيأ للتفجير من الداخل، فعدد سكان تركيا يتجاوز 75 مليون نسمة في الوقت الراهن، مع بدء العِقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، منهم حوالي %15 من الطائفة العلوية وتتركز في أغلبيتها في المنطقة الجنوبية الغربية من البلاد، وفي المجتمع التركي نسبة من النصارى من أصول عدة كالأرمن واليونانيين والروم الأصليين، ويشكلون حوالي %2 من السكان، وكذلك الحال بالنسبة أما اليهود فلا يتجاوزون 25 ألف نسمة، لكنهم جزء فاعل من هذه الفسيفساء السكانية.

الدلائل على الأرض تشير الى ان الأكراد عانوا من انتقاص لحقوقهم، فقد حجبت لغتهم عن المؤسسات التعليمية في البلاد طوال العقود السابقة، وكذلك لا يحق لهم الدخول في بعض الوظائف، وبالتالي يشعرون بالتمييز في بعض الحالات، مع أنهم في جلّهم من نفس المكون الديني للعرقية التركية (المسلمون السُّنّة) الذي ينتمي اليه غالبية الشعب التركي، ويرى المراقبون ان انتماءهم لأهل السنة يعد عنصراً أساساً في نزع فتيل الأزمة، واذابة النزعة الانفصالية التي يحركها البعض بين أكراد تركيا، وتثير حفيظة الدولة التركية وتجعل هذه الدولة في حالة استنفار ومواجهة دائمة مع المجموعات الانفصالية من الأكراد الأتراك، وما يقال عن الأكراد يندرج أيضاً على العلويين، فمشكلة الطائفية في تركيا دواعيها موجودة بامتياز، ولا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها، لكن ما هي الصيغة الأفضل للتعامل معها؟ شأنها شأن مشكلة الشيعة في الخليج، والتي تعدّ مثالاً حيّاً آخر يؤشر على استفحال داء الطائفية.

يرى المحللون لهذه الظاهرة ان الشعور بالغُبْن من قبل فئة من فئات المجتمع هي الساق الأولى التي تقف عليها الطائفية العرقية والمذهبية والدينية، وأن أيادي الشر الخارجية التي تغذي النزعة الطائفية هي الساق الثانية لاستواء عمود هذه المعضلة ووقوفها قائمة على أصولها، وهو ما يعبر عنه بنظرية المؤامرة التي تنسب لجهات خارجية وراءها دول كبرى، وأجهزة مخابرات وسفارات أجنبية، ويكون وقودها وأدواتها في الغالب أبناء البلاد من ضعاف النفوس ممن تربتط مصالحهم بمصالح تلك الجهات الأجنبية، سواء كانوا أفراداً أو بعضاً من فئات ومؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والنوادي الاجتماعية وغيرها.

ان المخرَج من الطائفية انما يكون بمثابة الترياق الذي يُعطى لمن سرى سُم الداء في أوصاله، لتفعيل مناعة الجسد، ورصد الخلايا الخبيثة التي ضربته ومن ثم استئصالها، كي تعيده معافاً متجدداُ بالحياة، ومندفعاً بالحيوية والنشاط، وهذا لا يتأتى الا بسلوك السبيل الأنجع في ادارة الدولة، وتوجيه السلطة بالنهج الأقوم، والأخذ بسياسة الحكم الرشيد الذي يقوم على الدعائم الآتية:

< معاملة الأقليات المعاملة العادلة التي تساوي بين كافة طوائف وفئات المجتمع على أساس المواطَنَة، وذلك للانتقال من الواقع الطائفي المحتقن القائم على التخندق وراء الفئة أو الطائفة أو الكيان العرقي، الى الانتماء للوطن وتربية الأسرة والمجتمع على هذا المفهوم وتعميقه في نفوس أفراده.

< تعزيز الشعور بالمواطنة عملياً، من خلال المساواة بين فئات المجتمع بالحقوق والواجبات، وقيام الدولة بتقديم الحماية الاقتصادية الاجتماعية والسياسية للأفراد، عبر معايير يقررها الدستور والقانون، وتطبقها الدولة على المواطنين، فرادى أو على شكل مؤسسات مجتمع مدني، بما يقوي فكرة الولاء للوطن والتبعية للدولة واللجوء لقانونها لتحصيل الحقوق، بدلا من الانجرار وراء الفكرة الفئوية الضيقة التي تهدم الأوطان وتقوض بنيانها.

< الابتعاد عن الفكرة الانطباعية للأفراد والمسؤولين على حد سواء، واستبدالها بفكرة المواطن الفعّال المسؤول المستند للدستور والمحمي بالقانون والنظام، والعمل وفق المعايير المؤسسية للنهوض بالوطن وتمتين النسيج الاجتماعي لأبنائه.

< تنمية روح الانتماء للوطن بين أبناء الوطن الواحد، كقيمة أخلاقية حافزة على التحلي بروح المواطنة الصادقة، وعلى التمسك بالولاء له والارتباط بالأمة، والحرص على بنائه ورفعته.

ان المواطنة والانتماء أساس كل تقدم وبناء، وان الطائفية والعرقية معول الهدم للدول والمجتمعات والأمم والحضارات، فهل يعي من تربوا على الرشاد من أبناء هذه البلاد، وأحبوا أوطانهم وأخلصوا في الولاء لها، هذه المُسلمَات والحقائق، وهل هم متمسكون بها من أجل أجيالهم القادمة وخير أوطانهم ومستقبلها؟!.

المصدر: الوطن

-- الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*